باب الحارة.. والخالة ام جوزيف.. والعلاقات المسيحية الاسلامية

 

يُعد مسلسل باب الحارة من المسلسلات الدرامية الاجتماعية والذي تدور احداثه في عشرينات القرن الماضي، يسلط الضوء على مناخ الحياة الاجتماعية الدمشقية والقيم والعادات والتقاليد لهذه البلدة والتي بدورها تعكس العادات والتقاليد لكل البلدان المحيطة بهذه البلدة العريقة في القدم.

افتتح مسلسل باب الحارة فنانون كبار قبل اربع سنوات وعلى الرغم من ابتعاد الكثيرين منهم عن جزئه الرابع إلا أنه ظل متألقا بكبار الفنانين السوريين ومن بينهم الممثلة القديرة منى واصف التي جسدت دور (أم جوزيف) حيث تتألق في الجزء الرابع بدورها المتميز الذي عكست من خلاله طبيعة العلاقات المسيحية الاسلامية ليس في دمشق فقط بل في جميع دول الشرق الاوسط المبنية على المودة والاحترام المتبادل، ولم يقف الدين عند ام جوزيف حاجزا لتقديم الواجب لجيرانها واصدقائها المسلمين كما انها لم تتوانى ابدا في تقديم ما تستطيع ان تقدمه لأهل بلدتها وإن لم يكونوا من حارتها، ومن المشاهد المؤثرة في الحلقة (29) من المسلسل واثناء دفن ابو احمد الذي احتضنته ام جوزيف في منزلها رغم انه ليس من دينها أدت أم جوزيف صلاة الجنازة جنبا الى جنب مع اخوانها وجيرانها الذين قرأوا الفاتحة كما هو متبع لدى الاخوة الاسلام اثناء دفن الميت.

 

نستدل من دور منى واصف في مسلسل باب الحارة ان العلاقات المسيحية الاسلامية في هذه الدول ليست مبنية على الدين وانما مبنية على الأخوة والعلاقات الاجتماعية المترابطة بينهم بعيدا عن التعصب الديني لهذا الطرف او ذاك.

وإذا عُدنا الى حقب التاريخ البعيد نجد ان طبيعة هذه العلاقات ابتدأت مع بدايات انتشار الاسلام بالتجاوب مع ما جاء في سورة المائدة "ولتَجدَنّ أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون" وقد اوصى أبو بكر الصديق اسامة يوم خروجه بالمسلمين الى الشام، قائلاً "لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلّوا، ولا تمثّلوا ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً كبيراً، ولا تعقروا نخلا او تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا للاكل. وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا انفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا انفسهم له". (البير ابونا، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، ج2، طبعة ثانية 2002، الصفحات52 – 57).

أما في العهد العباسي فقد خدم البطريرك طيمثاوس الكبير طوال 43 عاما تحت ظل خمسة خلفاء متعاقبين، وحاول ان يحافظ على الأتزان وعلى التسامح الديني بين المسلمين والمسيحيين، وفي عهده ابتدأ تأثير الاطباء المسيحيين على البلاط العباسي وشرعت حركة الترجمة من اليونانية الى العربية خلال عهد الخليفة المنصور، وكان طيمثاوس من بين الذين يطيب لهرون الرشيد التحدث اليهم ومحاورتهم لا بل كان يرافقه احيانا اثناء تنقلاته، اما في عهد الامين فنرى عظمة شخصية طيمثاوس في علاقاته بالبلاط العباسي كرئيس للكنيسة وكرجل علم وثقافة وقد بذل جهودا جبارة في سبيل انفتاح المسيحيين للعالم المعاصر لهم، ولدفع المؤمنين والاكليروس الى المشاركة في حياة البلاط السياسية والاقتصادية والثقافية، والى مساندة الملوك الظافرين. (المصدر السابق، الصفحات 139 – 145).  

 

          اما ما يحدث اليوم من قتل وتفجير واضطهاد وغيره من الأفعال غير الانسانية بأسم الأسلام في الكثير من المناطق فإنه لا يمت للأسلام بصلة، فهو ليس إلا نتيجة تفسيرات خاطئة للبعض من الذين لا يسيرون بحسب روح الشريعة الاسلامية الاصيلة، بل بحسب حرفها الذي يقودهم الى اعمال لا يقوم بها من يؤمن بالله وهناك حديث شريف يقول "ليس كل مؤمن بمسلم، ولا كل مسلم بمؤمن". فلو ادرك المسيحيون والمسلمون انهم جميعا ابناء أب واحد هو الله، وانهم جميعا اخوة ، بالرغم من الفوارق العرقية او الطبقية او المذهبية، لتيسّر لهم ان يتعايشوا ويعملوا معا في سبيل الخير العام وليحققوا مسيرتهم في بناء مجتمعات يسودها السلام والعدالة بين جميع الناس. 

          إن الدين هو انفتاح وليس انغلاق وأزدهار اي دين يرتبط بمدى قدرته على التفاعل مع الديانات الأخرى والاعتراف بها وتفهم ثقافاتها وهذا ما جسدته ام جوزيف في دورها مع الممثلين الآخرين في باب الحارة.

 

نشوان جورج

[email protected]