|
الضمير: "قدس أقداس الإنسان"
· تمهيد: لا شئ أقسى من عذاب الضمير ( خصوصاً عندما تجابهنا تجربة أو مخالفة ما )، ولا لذة تفوق لذة الارتياح ( خاصة عندما نقوم بواجبنا على أتم وجه ). وكما أن العذاب الذي نشعر به يتناسب مباشرة مع المخالفة، كذلك لذة الارتياح تعظم بنسبة عظمة الفضيلة. فكأن الله الآب أراد أن يمجد الفضيلة ويوجهنا لأتباعها، ويجعلنا نحتقر الرذيلة ونتحاشاها... حينما أوجد فينا هذا الشعور بمسؤولية ما نعمل، وخلق فينا "الضمير" وزوّده بقوة نيّرة، عادلة، محترمة، حساسة، وجعله رقيباً ودليلاً وحاكماً.
· شجرة الضمير : يستعير سفر التكوين رمزاً مألوفاً من رموز الأساطير الخاصة ببلاد ما بين النهرين، فيضع في جنة عدن شجرتان: شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر (تك 2 : 9). وإذ أنخدع الإنسان بمظهر هذه "الشجرة" البراق (الذي يمنح ثمرها الخلود)، مدعياً "معرفة الخير والشر"، أكل من ثمرها (تك 3 :2-6). بعد أن حرم الله الأكل منها، قائلاً: "من جميع شجر الجنة تأكل وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فأنك يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك 2 :16-17). فقبل حلول العقاب بمعناه الحقيقي ( تك 3: 22-24)، يَهُمّ آدم وحواء - اللذان كانا يتمتعان حتى تلك اللحظة بالعِشرة الإلهية- ( تك 2: 25)، أن يختبئا من "وجه" الرب الإله بين شجر الجنة (تك 3 :8). ونتيجة لذلك، قطع عليه الرب منذئذ السبيل إلى شجرة "الحياة". لأن كل ما بين الإنسان والله قد تغير... ذلك هو حكم قضاء "الضمير": هذه القوة الداخلية أو المِلكة الإلهامية، التي عن طريقها نستطيع أن "نحكم" على عمل ما ( قمنا أو سنقوم به). حكم يجعلنا نقرر إن هذا الشئ يكون (أو قد كان) في نظرنا خيراً أو شراً. وهو حكم عملي، إذ هو يملي على الإنسان، بتوجهه إلى الله الذي "هو وحده صالح" ( متى 19: 17،مر 10: 18، لو 18: 19)، أن يصنع الخير ويتجنب الشر. وهذا ما يدعونا إلى التساؤل: من يحدد الخير والشر .. الإنسان في حريته أم الله في شريعته ؟ والجواب يأتينا من الوحي الإلهي، الذي يعلمنا، إن سلطة تمييز الخير من الشر هي منوطة لا بالإنسان بل بالله وحده. فالإنسان حر – وحريته واسعة بلا شك – لأنه يقدر أن "يأكل من كل شجر الجنة"، ولكن حريته ليست بلا حدود بل يجب أن تقف عند "شجرة معرفة الخير والشر". فالله وحده يعرف تمام المعرفة ما هو خير للإنسان الذي خلقه عن محبة، "ويجعل شريعته في ضميره ويكتبها على قلبه" (ارميا 31 :33). والإنسان بقبوله هذه الشريعة والعمل بها، إنما يكمل حقاً حريته الشخصية: التي لا تضعف ولا تلغى بخضوعه للشريعة الإلهية، بل على خلاف ذلك، إنما يحقق الإنسان كرامته ويصل إلى ملء حريته. وهذا ما يوضحه لنا المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني من:"إن الحرية الحقيقية هي علامة مميزة لصورة الله في الإنسان. فقد أراد الله أن يترك الإنسان في يد اختياره، بحيث يتمكن أن يبحث هو بذاته عن خالقه، حتى إذا ألتحق به يبلغ كماله مليئاً سعيداً".
· الضمير .. "صوت وضعه الله في الإنسان": في هذه العلاقة بين الشريعة والحرية يندرج دور "الضمير"، الذي يجد له مسكناً حياً في "قلب الإنسان": لكونه المكان والإطار الذي يلتقي فيه الإنسان مع الله. فالضمير هو: "المركز الأشد عمقاً في الإنسان، والهيكل الذي ينفرد فيه إلى الله، ويسمع فيه صوت الله" (الكنيسة في عالم اليوم،16). صوت يقال انه: "حوار الإنسان السري مع ذاته" (دستور راعوي،فرح ورجاء،16)، بل انه حقاً، حوار مع ربه (مثال الإنسان الأعلى وغايته الأخيرة). إذ إن الإنسان (من خلال كل عمل من أعماله): أما يحقق ذاته وإما يدمر شخصه الإنساني، أما يحقق صورة الله فيه وإما يحجبها أو يعتمها. لذا فانه لمهم جداً، أن يكون كل إنسان حاضراً لذاته ليسمع صوت ضميره ويتبعه (الذي يوصيه بفعل الخير واجتناب الشر)؛ ولا سيما إن الحياة تعرضنا للتشتت وتمنعنا من العودة إلى ذواتنا. وهذا ما يؤكده القديس اوغسطينوس (+430) لكل واحد منا، قائلاً: "عد إلى ضميرك وسائله"، لان الضمير هو: "مثل داعية الله ورسوله وما يقوله لا يأمر من عند ذاته، بل يأمر كما من عند الله، مثل المنادي عندما يعلن أمر الملك" (إرشاد رسولي،تألق الحقيقة،عدد58). وبذلك يبقى الضمير "الشاهد الوحيد" للإنسان، على حد ما جاء عند القديس بولس (روما 2 :14-15): شهادة لا يؤديها إلا للشخص نفسه، وبالمقابل وحده يعرف جواب ضميره له. أي على أمانته أو عدم أمانته، على استقامته أو فساد أخلاقه. وفي الوقت عينه هو "شهادة الله" نفسه، لسماع صوته وحكمه وبلاغ أوامره ونواهيه، لأنه "صدى" الحقيقة الخالدة في صميم الإنسان.
· اتبع ضميرك الصالح : وبالنتيجة، فان الإنسان يريد أن يكون ضميره "صالحاً" (1 طيمو 1 :5) يستضئ بضوء "صلاح الله وشعاع من نوره الأزلي، ويستنير بشهادة الروح القدس" (روما 9 :1). لا يسلك بخداع ولا يغش بكلمة الله، بل أن يكون "نقياً" (2طيمو 1 :3) وان "يظهر الحق" (2 كور 4 :2). فالرب يسوع يحذرنا من مخاطر انحراف الضمير، مشيراً إلى إن: "سراج الجسد هو العين، فان كانت عينك سليمة، كان جسدك كله منيراً. وان كانت عينك مريضة، كان جسدك كله مظلماً. فإذا كان النور الذي فيك ظلاماً، فيا له من ظلام" (متى 6 :22-23). حيث نجد في كلام يسوع هذا، دعوة إلى "تربية وتنشئة" الضمير للبلوغ بالإنسان إلى كماله في الله، من خلال الصيرورة بالتوبة والاهتداء إلى الحق والخير ... إلى محبة الله. وبمثل هذا الكلام أيضاً، يحثنا الرسول بولس على السهر، بقوله: "لا تتشبهوا بما في هذه الدنيا، بل تغيروا بتجديد عقولكم لتعرفوا مشيئة الله : ما هو صالح، وما هو مرضي، وما هو كامل" (روما 12 :2). ومع هذا فالضمير الإنساني معرض دائماً للوقوع في الخطأ، لأنه ليس "قاضياً معصوماً" (إرشاد رسولي،تألق الحقيقة،عدد62) : بل يتفق في كثير من الأحيان أن يخطأ "لداعي الجهل المطبق". جهل إنسان لا يهتم بطلب الحق والخير، فيتمادى في الخطيئة التي تعمي بصيرته لأنه يرفض أن يقبل إلى النور. وذلك من خلال تعرض الضمير إلى "طفيليات" تنمو عليه وتمتص منه الحيوية فتذبله وتجففه ... فيتلاشى الوجدان ويسير الإنسان لا بحكم ضميره ولكن بحكم هذه الطفيليات الخطرة المستبدة. التي تعمل على قساوة الضمير وبالتالي تعطيله: من خلال مجموعة الاعتبارات الخارجة عن منبت الوجدان (أفكار الناس ومبادئهم الشائعة، وتقاليدهم المتبعة، وعوائدهم المتجمدة)؛ التي هي مجموعة "مشيئة الناس" لا "مشيئة الله". ولعل اكبر قصاص للإنسان أن يقسو ضميره أو يموت، لأنه في هذه الحالة، يفقد الجانب الذي يميزه كإنسان. فالمجرم لا يخيفه دم ضحاياه، والسارق الذي لا يلتذ إلا بنهب الأموال، والطبيب الذي يحتقر يمينه، والتاجر المرابي، ... بل وكل إنسان يخفت وينطفئ فيه "نور" الضمير، فأي خير نرجوه منه ؟ بل وأي شر لا ننتظره عن يده ؟ ولذلك، فان أردنا أن نسدي نصحاً فلا أفضل من أن نقول: "اتبع ضميرك الصالح"، لان الضمير هو صنيعة الله، فلا تجعله صنيعة الناس ..!
نبيل جميل سليمان الشيخان / بيبوزي |