قطار الموت أو الهولوكوست البعثية
بغداد – ماتع:
عبد السلام محمد عارف، طاهر يحيى، رشيد مصلح، مصطفى الفكيكي، هذه الثلة الفاشية من قيادات انقلاب 8 شباط الأسود هي التي أشرفت على حركة قطار الموت من محطة بغداد.. وهذا ما أثار شكوك السائق (عبد عباس المفرجي) ومخاوفه... فضلا عن النصيحة الصارمة التي وجهت إليه: قطارك يحمل "بضاعة خاصة"، فعليك السير ببطء تام، حفاظا عليها.
بدأت رحلة الموت صباح الرابع من تموز عام 1963، وتحرك "التابوت" الحديدي حاملا أكثر من 500 سجين سياسي من الضباط والمدنيين في عرباته المقفلة والتي لا تصلح حتى لنقل البضائع.
سار الدولاب الجهنمي بأفرانه المحكمة مع قيظ جنوب العراق الذي تصل فيه درجة الحرارة الى 50 ْم في الظل، وتصاعدت درجة الريبة عند السائق الذي لاحظ تجمع الناس في المحطات الأولى التي مر بها، ولاحظ – أيضا – صراخهم ونظراتهم الغاضبة وأفواههم الناطقة بكلمات غير مفهومة، كما لم تفته ملاحظة تصرفات حرس القطار الرهيب.
وتيقنت شكوك السائق، وصدقت ملاحظاته، وعندما صعد الى الكابينة شاب، أثناء توقف القطار في احدى المحطات، ليخبره أن حمولته ليست "بضاعة خاصة" بل بشر من خيرة أبناء العراق، نزلت المفاجأة كالصاعقة على رأسه، وتساءل مع نفسه: كيف يستخدم القطار بهذا الشكل المرعب الذي يعجز عن التفكير به حتى الشيطان.
ووضعته المفاجأة أمام مسؤولية وطنية وإنسانية، وأمام تاريخه الشخصي، وأمام المبادئ التي تربى عليها، فاتخذ قراره دون تأجيل، أن يسرع، حتى لا يشترك في الجريمة، لاسيما بعد ان رأى الناس يرشقون عربات القطار بالجرادل المملؤة بالماء، وبعد أن قـبّلت امرأة (في غفلة منه) يديه راجية أن يسرع.
تيقن أنها جريمة منظمة، فأطلق (عبد عباس المفرجي) صافرة القطار، وانطلق بأقصى سرعة يستطيعها، مستثمرا خبرته في التلاعب بمؤشر قياس السرعة، للتمويه على رجل الأمن المرافق له.
أخذ قطار الموت ينهب الأرض نهبا، متجاوزا الكثير من المحطات دون توقف، وأبردت السرعة حديد العربات، وخففت حدة الحرارة، وبثت الحياة على سكة الموت، فوصل القطار الى محطته الأخيرة (السماوة) قبل الموعد المحدد من قبل جلادي شباط الأسود بأربع ساعات.
لم يكذب الرائد أهله، فشهامة السائق (المفرجي) ونبله ، وتاريخه النضالي لأكثر من ثلاثة عقود كانت تكفي لأن يحسم هذا العراقي خياره باتجاه عمل بطولي.
نهاية تليق بالشجعان
وحتى نتعرف على سيرة البطل الذي أنقذ الأبطال، التقينا الصحفي المعروف "علاء المفرجي" نجل أشهر وأشجع سائق في تاريخ السكك الحديد.
* رغم اننا عرفنا واستقينا الكثير من المعلومات من "الذاكرة العراقية"، لكن هلا حدثتنا عن المرحوم الوالد، وسلطت أضواء على بعض المحطات الأخرى من حياته، حتى نتعرف أكثر على هذا الرمز؟
ـ والدي من مواليد عام 1914 ببغداد "كرادة مريم"، بدأ عاملا في السكك الحديد منذ نهاية العشرينيات، ثم تدرج فأصبح مساعد سائق في وقت لم يكن هناك سائق قطار عراقي، فقد كان سائقو القطارات من الانكليز والهنود فقط، وتدرب على أيديهم، وأجاد حتى لغتهم، وفي ما بعد اعتبر أول سائق قطار في العراق، ويشير تاريخه المهني إلى قيادته القطار الذي افتتح جسر الحديد في منطقة الكرنتينة بعد تخاذل سائقه الهندي.
شارك والدي عام 1936 في تأسيس نقابة السكك التي تعد من أقوى النقابات العمالية في العراق، وكان معه كريم احمد (عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي فيما بعد)، وانتمى للحزب الشيوعي. ساهم والدي عام 1945 في تهريب عدد من أعضاء المؤتمر الأول للحزب، وهرّبهم بقطار طوروس إلى تركيا وكان معهم عبد تمر، بعد عام 1949 ترك والدي العمل الحزبي ـ كما أخبرنا ـ لأسباب عائلية قاهرة، وهو ـ رغم عدم إكماله الدراسة ـ كان يقول أن الحزب ساهم في بلورة ثقافته.
* هل والدك أصبح قاسميا في العهد الأول للجمهورية؟
ـ للتأريخ، لم يكن والدي قاسميا كما ذكر في كتاب "البيرية المسلحة" للكاتب الدكتور علي كريم سعيد، بل كان يحمل تأريخه الشيوعي، وتصرف على هذا الأساس، حتى عندما اعتقل قبل يومين من حادثة القطار ـ وكان المستهدف عمي شقيقه الأصغر ـ وبعد تسليم الأخير نفسه أفرج عنه وبدأت رحلة القطار بصحبته.
* كيف كانت خاتمة حياته؟
ـ تعرض مع والدتي ـ أكثر من مرة ـ إلى الاعتقال، وفي إحدى المرات تحديدا في 8 – 11 – 1987 تم اعتقاله صباحا للتحقيق معه حول النشاط السياسي لنا نحن أبناؤه، وأطلقوا سراحه عند السادسة عصرا، وبعد ساعتين فارق الحياة، وهذا الأمر لم يكن مثار استغراب، لأن البعثيين تعودوا تسميم المناضلين.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد، إذ اعتقلت والدتي عدة مرات بعد رحيل الوالد، وكذلك تعرضت أنا لاعتقالات متكررة، فيما لاذ أخوتي بالمنفى، هربا من البطش اليومي.
* كلمة أخيرة – باعتبارك صحفيا معروفا – عن والدك؟
- نحن أبناؤه، كلنا تأثرنا به، واعتنقنا الأفكار الشيوعية حقيقة، وبقينا نتباهى بموقفه البطولي، واهم شيء في موقفه انه كان مجردا من المكاسب الذاتية سوى إنقاذ أرواح المناضلين الذين على متن القطار، فتعرض ـ اثرها ـ للاعتقال والفصل.
كنت وقت الحادثة بعمر السابعة، وأتذكرها بشكل ضبابي، لكننا تربينا على أفكاره ومآثره، لاسيما مأثرة القطار فوالدتي كانت تحدثنا عنها باستمرار.
مركز الإتصالات الإعلامية ( ماتع )