لكي نمنح الحياة للآخرين

 

كامل زومايا / [email protected]  

 

تفرح أبنتي أكدينا من ( أكد) عندما تتفتح الزهور الجديدة في حديقة دارنا، كما انها تداعب الشجيرات المثمرة التي شتلناها قبل ثلاث سنوات في محيط الحديقة وهي اليوم تعطينا من  ثمارها كالتفاح والاجاص والخوخ وورق العنب الطازج لأطيب قدر من الدولمة العراقية .

حديقة دارنا  مساحتها اكثر من 500 متر مربع مغروسة في محيطها ايضا اشجارا غير مثمرة الا ان الله وهبها الحياة لتفيد بني البشر من حطبها ولنتفيئ بضلالها متناولين فطورنا الصباحي وغدائنا وعشائنا المسائي ، كما نأخذ تحت افياءها قسطا من القيلولة في ايام الصيف اللهابة وان كانت قليلة في المهجر ، ونجعل من تلك الساحة الخضراء ملعبا نتقاذف كرتنا من سلة وطائرة وركلة قدم أو نتمرجح  بأرجوحة أبنتنا وقد  يعزى ذلك تعويضا لطفولتنا المشوهة والبائسة ، نعم نتمرجح كلما سمح لنا الوقت مع وقعات ضحكات ابنتنا وتصر ان  تدفعني بكل قوتها لأرتفع بل لأحلق عاليا بين السماء والأرض ...

أبنتي أكدينا بدأت تتحسس باقتراب نهاية الصيف الذي بدأ يبتعد عنا  رويدا رويدا مخلفا ورائه اوراقا صفراء متناثرة  في باحة الدار وفي الممرات ... تلتقطها ابنتي في  هذا الزحف الخريفي  بأحجامها المختلفة الكبيرة منها والصغيرة لتصنع منها مادة للمعلومات الحياتية تارة وتارة اخرى تحتفظ ببعض من تلك الاوراق لتكون طعاما دسما لبعض من الحشرات التي تجمعها في قنينة زجاجية لكي تعيش وتكبر امامها .

لا نأبه كثيرا لتساقط الاوراق الخريفية الصفراء والمتناثرة في كل صوب في بادئ الأمر،  فمنها من  يتساقط على عجل ومنها تصمد لعشقها الحياة بالرغم من اصفرارها  لنهاية الخريف،  لذا ننتظرها لكي نكنسها جميعها مرة واحدة .    أكدينا تساعدني في جمع تلك الاوراق الصفراء على شكل تلال صغيرة لجمعها ورميها في المكان المخصص الا انها على غير عادتها صرخت بشكل اثار انتباهي بسبب ما شاهدته من تفسخ لتلك الاوراق ومنها من تيبس وأعيد لأصله كما كان ترابا..!!

في اواخر الخريف وحلول فصل الشتاء اصبح  ممر بيتنا الطويل موحشا بسبب تلك الاشجار الجرداء ذات السيقان المتضرعة للسماء، لم تعد الحديقة مصدر سعادة لابنتي بعد ان اخذت الشمس تغرب عن حديقتنا مسرعة ، اصحبت ملاعب اكدينا غرفتها التي مساحتها لا تتجاوز عدة امتار مربعة اقتربت مني مرة وأنا اتأمل عبر النافذة للثلوج المتساقطة وبأحوال شعبنا وآلامه في تاريخ سفره الطويل .. ان منظر  تساقط الثلوج منظر رهيب  وخاصة في بدايته له وقع خاص يعيد بي للذاكرة صور الانكسار وألم وحزن وفراق  لا قرار له في دواخلي  المهزومة لشعب مأزوم على مر التأريخ ، متذكرا لأول كتاب اطلعت عليه  ( مهد الحضارة البشرية) للأخوين   ( دبليو ويكرام ) في اواسط السبعينيات من القرن الماضي واحوال الهجرة والتهجير لشعب مظلوم مجنى عليه محكوما بين سيفين لقاتليه ، سيف مسلط على رقابه من قبل تلك الخيالة المحمدية وسلطانها الجائر وسيف اشد ايلاما لقادته  ذوي احلام العصافير ومتمترسين باسحلة خشبية ليدافع ذلك الشعب البائس بهجرته باسلحة وتاريخ  عفى عليهما الزمن  في دورة فلكية في الحياة البشرية ....

أكدينا ارغمتني ان اترك تأملاتي لانصاع لسؤالها بابا لماذا يقدم الشتاء مسرعا ويرحل الصيف والربيع  على عجل ؟؟

كيف لي أن اشرح لها فصول السنة ودورة الحياة..؟  الا اني استسهلت السؤال لأجيبها قد يسعدها، لابد ان يأتي الشتاء ليأتي معه يسوع المسيح والعيد والهدايا ومن بعده سيأتي الربيع ومن ثم الصيف...  ، لم يعجبها جوابي ، بسبب انزعاجها بالبقاء في الدار، مرة اخرى فجاءتني بسؤال آخر ، ولماذا يأتي المسيح في الشتاء القارص ألم يكن عليه ان يأتي مع الربيع مع الابتسامة مع تفتح الزهور ، بدأت ابنتي تستغرب من الحكمة الالهية في ولادة يسوع المسيح له المجد في الاجواء الباردة!! ، لم أهبه لأعتراضاتها ووجهة نظرها الموضوعية في ولادة يسوع له المجد ، الا انها في اسئلتها فرضت علي ان ابحث بين المشتركات بين فصول السنة ودورة حياتنا كبشر.. يا ترى في اي فصل من الفصول اقتربت منه الان ؟ هل انا في   خريف العمر أم  جاوزته مع ميلاد المسيح ..؟ ولكن وماذا عن ربيع العمر وصيفه اللهاب في دورة حياتك الطبيعية...؟ ربيعنا لم يكن كالنسيم العليل والخضرة ولقاء الاحبة والوجه الحسن ،   بل كان ساحة للوغى وغرف مظلمة وبحث عن هوية مشوهة في حارات الوطن الرطبة... حتى احلامنا كانت كوابيس فلا حورية قادمة بثوبها الحرير ولا جنة من تحتها الانهار.. لم انجح في دورتي الحياتية او الفلكية ضمن المجموعة الشمسية لأتلمس ربيعي ولا ربيع اقراني  ، بل كل الذي تكرمت به ومن امثالي نياشين خطوط بيضاء خطها الزمن الوقح على عجالة بسنين القحط  لتنحت بأيدي وهمية خبيثة اختطفت ربيع العمر لتهديني نكرانا للجميل بعض من مودة العصر  ( الالام مفاصل وضغط الدم ومرض القلب .......الخ ) فنحن في العراق يبدو اننا مازلنا لا نشبه الشعوب الاخرى .....

 اخذت ابنتي تلح علي بأسئلتها  والتي لا اعرف  كيف اجيب عليها   اسئلة حال ما ان تبدأ بلماذا؟ لتنتهي بسؤال كيف ؟      ( تماها؟  وقي؟ )

تمنيت ان تعرف ابنتي بماذا اتأمل نحن البشر  كتلك فصول السنة، ولكن الفرق ان فصلي الخريف والشتاء يعترفون بجمال الطبيعة يتركوها بعد حين لفصل الربيع الا نحن البشر  حتى في خريف قادتنا يصرون البقاء لكي لايحين الربيع في حياة شعبنا ، فلو خلق الله يا ترى  فاكهة واحدة كالموز فقط افتراضا  ومن الخضرة فقط الباذنجان ... فكيف كنا نعيش يومنا بين الاسهال والامساك ..!!

ولو كان طعم الموز كالبرتقال والتفاح كالمشمش والخيار كالبطيخ فكيف كنا نتحسس ونتذوق طعم الحياة   ؟؟؟

لذا عليكم ، ايها السادة الخريفيون  ان لا تسرقوا ربيع ابنائنا   

اجعلوا في اختلافنا طعم حلو المذاق... لكي يعيشوا ابنائنا ربيعا ما دمنا لم نعيشه نحن .

 حافظوا ايها القادة الخريفين على هذا التنوع عسى ولعله ان نتعرف على مذاقكم ان كان طعم طيب او مر رعاف

اعطوا لنا فرصة ان نضع بجانب صوركم صور اخرى لكي نعرف من منكم المجرم ومن منكم الحرامي ومن منكم على صورة المسيح له المجد

اعطوا لنا الوقت الكافي لكي نصفق لكم بعد ان نستمع لحديثكم وليس قبله لكي نهضمه حقا ونصفق بالعشرة وامام الكاميرات

دعونا ان نصلي لكم في صلواتنا صلوات الخلوة لا  يعلم بها الا قلوبنا والله القاهر الجبار دون تمجيد وصرخات نشاز عبر  المذياع باسمائكم...

 دعونا.. دعونا... دعونا..  نرى صوركم بين جماهيركم وانتم في خريف عمركم بدون صبغ الشعر ودون الابتسامة الخشبية

وماذا بعد يا ابنتي الجميلة ...بابا... ان الحياة تتسع للجميع

نعم الحياة على الارض وفي وطننا ايضا مازالت تتسع للجميع    

ملاحظة اخيرة لأصحاب الاوراق الصفراء

نعلم جيدا كلماتنا هذه وكلمات اخرى قيلت وستقال افضل منها  سوف لا تسمعها آذان قادتنا و"ولي نعمتنا" ولكن لعل لتلك الحشرات الطفيلية التي تعتاش على تلك الاوراق الصفراء المتساقطة  نقول عسى ان تدغدغ احاسيسها وهي في خريف عمرها لترفع اذرعها مستسلمة  ولتسمع سيدها الحقيقة بملء فمها ولو لمرة واحدة ...     سيدي لقد حل شتاءك عليك بالتسليم والرحيل ومصافحة الاخرين بسلام