|
هـل للعراق اســرى في ايـران ؟
نعـم،ســيبقى هـذا السـؤال يبحث عن الجواب الشــافي طالما بقـى كتاب الحرب العراقية الايرانية مفتوح وبقت الكثير من القضايا معلقة . بعـد شــهرين يكون قد مضـى عشــرون عاماً منذ ان توقفت الحرب اللعينة، ويكون قد مرت ايضا ثمانية وعشـرون عاماً منذ ان انطلقت الشرارة الاولى. وفي تلك الاعوام العجاف ســيق مئات الالوف من العراقيين مـرغمين لأتون هذه الحرب التي اشــعلها رأس النظام البائد، ليس بعيدا عن مآرب القوى الكبرى لأنهاك البلدين، وشـكل من اشــكال الحيطة التي اسـتغلها النظام خشـية تصدير (الثورة) من ايران وقلب نظام الحكم، وطريقة لتصريف ازماته وارضـاءا لطموحات رأســه في السيطرة على منابع النفط في اقليم خوزسـتان (عربستان كما يســميها البعث). وقصص تلك الحرب مازالت شــاخصة في اذهان عوائل الضحايا وعوائلهم، من الذين استشــهدوا او شــوهوا او صـوبوا او صـاروا مقعدين او حتى فـروا من العراق واختاروا الغربة ملاذ للخلاص من شـرور هذه الحرب ، ولن تداوي مكارم (القائد) لعوائل ضحايا الحرب من سيارات او هبات مالية الشـرخ الذي حصل في المجتمع العراقي جراء الاعداد الهائلة للضحايا وما نتج عنه من اختلال في البنية الاجتماعية وبروز ظواهر خطرة لم تجد لها علاجا شــافيا ليومنا هذا، الايتام والارامل والمقعدين واصحاب العاهات النفسـية والعوانس.
اما قضية المفقودين والأســرى فهذا موضوع أكثر ايلاما لو ايقـنا بالمثل العراقي القائل " أم القتيل تنام ، ام المهدد بالقتل ما تنام" . فقد شــهدت سـني الحرب الثمان معارك دامية، دفع شـباب البلدين ثمنها غاليا، وتحت اي مسـمى كان. فمنهم من ســقط في سـوح الحروب وجرفته الجرافات ودفن في قبور جماعية غير معروفة، ومنهم من جرفته المياه وطافت اجســادهم بعيدا عن العراق ، ومنهم من لجأ او ســلم نفســه للطرف الثاني، وبين هذه الصور المرعبة عاشــت الامهات والزوجات والعوائل اياما وســنين عجاف بأنتظار عودة ابنائهم. وكم لاحت لهم الآمال عندما توقفت الحرب وركن غبارها وصار الطرفان يتبادلان الاســرى، اقول كم ام انتعشت آمالها، وكم ام خاب ظنها ، وكم ام مازالت تنتظر لليوم ! عشـية حرب الولايات المتحدة على العراق عام 2003 كانت آخر تصريحات مسؤولي النظام السـابق تـؤكد بأن للعراق (5000) اســير او مفقود لدى ايران، الا ان الجانب الايراني كان ينفـي وجود اي اســرى عراقيين لديه وانه اطلق ســراحهـم كلهم. والســؤال الذي يبقى باحثا عن الجواب، اذن ما هو مصير هؤلاء ال (5000) والمسجلين في قوائم الجيش العراقي؟ وماذا سيكون الرد لعوائلهم؟
زال النظام الذي شــن الحرب، وبداء العراق يسـير على خطى تأسيس عهد جديد وعلاقات سـلمية مع جيرانه بعيدا عن العنف والحروب ، ومازالت هذه العوائل المنكوبة تبحث عن مصير ابنائها. ولم لا؟ لكن مـع اية جهة سـتتعامل الآن ؟ ان الواجب الأخلاقي يدعو المسـؤولين في كلا الجانبين الى البحث الحقيقي في مصير المفقودين وفي كلا الطرفين من اجل وضع نهاية ادبية تحترم كرامة الانسـان وتضع حدا لمعاناة عـوائلهـم. وهذا الموضوع يدعوني لتذكير القراء الكرام بما تقوم به الولايات المتحدة في سـياق البحث عن مفقودي الجيش الامريكي في حروب (كوريا انتهت عام 52 وفيتنام انتهت عام 75 ) . فقد صرفت الملايين وجندت مئات الاطباء والاخصائيين والخبراء للبحث عن اية اشـارة تستدلهم على الجنود الامريكان في كل دول جنوب شــرق آســيا رغم مرور عشـرات السنوات على انتهاء الحربين وحتى يومنا هـذا من اجل غلق ملفاتهم وتأمين مراسيم اخلاقية لدفنهم ومنح عوائلهم مستحاقاتهم العســكرية. ترى الا يســتحق ابناء الجيش العراقي ( المفقودين والمنسـيين) والذين كانوا يؤدون خدمة العلم المقدســة مثل هذا الاهتمام او حتى اقل منــه ؟
هــل للعراق اســرى في ايــران؟ الجواب موجود عند المسـؤوليين الايرانيين اولا، وعند بعض الشـخصيات العراقية التي كانت تشــرف على الاســرى العراقيين لدى ايران ثانيا ، ناهيك عن ان قســما منهم موجود الآن في قمة الهرم السياسي العراقي، ان كان في البرلمان او الوزارات او في قيادة بعض الاحزاب. ان هـذه الشــخصيات العراقية المعنية تعرف جيدا وتتذكر اعداد الاسـرى ممن بقوا احياء او عادوا للعراق او قتلوا في التعذيب او نتيجة ظروف الاســر غير الانســانية او اجبروا على تبديل ديانتهم او طائفتهم ، وتعرف ايضا اســماء الذين قـضـوا هناك ودفنوا في قبور غير مشــخصة . ان الحكومة العراقية والجهات الرسـمية (وزارة الدفاع، وزارة حقوق الانسـان، وزارة الخارجية وجمعية الهلال الاحمر العراقية) مطالبين بفتح التحقيق في موضوعة الاسـرى والمفقودين العراقيين في ايران. اما العوائل الثكلى فمدعويين لمطالبة الجهات الرسمية العراقية والهيئات الدولية وخاصة الصليب الأحمر الدولي في المســاعدة للبحث عن مصير ابنائهم ووضع نهاية مشــرفة لهذه المعاناة اللاانســانية.واتوجه بالنداء الى مجموعة المحاميين العراقيين الغيارى، ومؤسـسـات المجتمع المدني العراقية الى تبني قضية ( الاسـرى والمفقودين العراقيين في الحرب العراقية الايرانية والذين لم تحســم قضاياهم بعد) وتشــكيل لجنة لتمثيل هذه العوائل وايصالها الى الجهات المسـؤولة.
همسـة في اذن القارئ: لقـد سـاقتني الصدفة ان التقي بأحد الاســرى العراقيين الذين قضـوا (16) ســتة عشـر عاما في الاســر – رغم ان الحرب دامت ثمان ســنوات – والذي اطلق سـراحه في آذار عام 2003 ! تصــوروا !! ويمكن ان يكون شــاهدا على قصصا كثيرة واســماء عديدة، ســأتحفظ في ذكرها الآن بأمــل العودة لهذا الموضــوع قريبا. وحتى نجد الجواب الشــافي للسـؤال القاســي: هل للعراق اســرى في ايران؟ ألقاكم قريبا.
أيار 2008
كمـال يلـدو |