ماضي المرأة العاطفي وعقدة الرجل الشرقي!!

استهلال....

    قبل اسبوع خضعت لعملية جراحية ونصحني الطبيب للراحة في المنزل ومن يدري فلعل ايام الراحة تستمر وتطول لايام اخرى، واتيح لي ان اختلي الى نفسي، فلا عمل ولا مشاغل ولا زيارات .... ولا شي يصدني عن الكتابة ، فعكفت لكتابة واحدة من اهم خلجات ذاتي ، موضوع لطالما شغل تفكيري وهو ( ماضي المرأة العاطفي والرجل الشرقي).... وما ان شرعت اسحب قلمي واوراقي .... ليرن جرس الباب والا مجموعة من الاصدقاء والصديقات جاؤوا ليطمئنوا ويتفقدوني ... فعرضت عليهم الموضوع لتنقسم الاراء والقناعات ..... ولما خرجوا .... سجلت بعض الافكار .... وعند الثانية والنصف بعد منتصف الليل كانت هذه الخلجة:

ماضي المرأة العاطفي والرجل الشرقي

   من الامثال العراقيه المشهورة): لا يوجد شجرة لم يهزها الريح (..... وانا اقول: نادرًا ما لا يوجد إنسان على وجه الارض لم تحركه مشاعر الحُبّ يوما ما!
من المؤسف له لا بل من المحُزن والمؤلم في مجتمعاتنا الشرقية والعربية والتي هي مكبلة بعادات وتقاليد اشبه بالظالمة للمرأة.... نرى ان تلك المجتمعات تحكم على المرأة التي عاشت علاقات عاطفية قبل الزواج .... او كانت مرتبطة بخطوبة سابقة او انها مطلقة او .... على انها عار على عائلتها ومجتمعها وذات سمعة سيئة ويحكمون عليها طوال حياتها بالعيش تحت اطلال ماضيها!!!!

لا بل ان هناك من يرى ويعد، ان وقوع الفتاة في خبرة الُحبّ الإنسانية قبل الزواج (جريمة) اخلاقية لا تغتفر وخطأ كبيرًا فادحًا... لتحمل الفتاة ماضيها على كتفيها كوصمة عار!!
      
كنت في السويد قبل عدة شهور وكان برفقتي مجموعة من الشباب ..... فعرفوني على مجموعة اخر من الشباب على اختلاف جنسهم .... والا باحد الشباب ليقول :" هذه الفتاة موخوش بنت وعليها علامة استفهام .... يقولون تحب فلان...".... فابتسمت وقلت له: اجعلها علامة تعجب بدلا من الاستفهام..... ثم همستُ مع نفسي : اصبح الذي يحبّ في زماننا اليوم إنسان سيئ!

ومؤلم ايضأ ان نرى الكثير من رجال القرن الحادي والعشرين في مجتمعاتنا الشرقية يفضّلون الارتباط بامرأة يكون هو في حياتها « الرقم واحد!!» او هو فاتح قفل قلبها!
ففي مجتمعاتنا العربية عادة ما يتكلم الرجال بافتخار عن ماضيهم العاطفي ومغامراتهم الغنية مع النساء ويعتبرون الخوض في مثل هذه المغامرات حقاً مشروعاً لهم لا بل يرون البعض فيه بطوله تستدعي المفاخرة. ( انا رجل) هذه الحجة التي يطيب للكثير من الرجال في الشرق ان يتحججوا ويتغنوا بها .... وبها يباح لهم كل شئ ..... بينما يحرّمون ذلك على المرأة الشرقية في كثير من الأحيان.... ناظرين اليها على انها مصيبة وحمل ثقيل وسمعة العائلة مرتبطة بها؛ لذا يطالبها الكثيربأن توضع عواطفها ومشاعرها في قفص وتكبت انفعالتها العاطفية والتي هي حق من حقوقها كأنسانة؛ لذلك أكد لي ايضًا مُعظم االشباب الذين لاقيتهم حتى الذين عاشوا في دول اوربا سنوات طوال بأنهم يفضلون بالطبع أن يكونوا «رقم واحد» في حياة نصفهم الاخر ؛ وذلك لأسباب نفسية تخصهم كحبّ االتملك والغيرة والأنانية والغرور والتسلط الذكوري وأسباب اجتماعية وتربوية فرضت عليهم التفكير بهذه الطريقة، ناهيك عن خوفهم من القيل والقال ..... وهذه مشكلة معظم الناس وهي الخوف من كلام الاخرين! وكيف سيواجه المجتمع اذا قال له ان زوجتك كانت على علاقة بفلان وفلان؟! كلها هواجس نابعة من عقد اجتماعية لا يزال الكثير يؤمن بها ويحسب لها الف حساب قبل اقدامه على الزواج!.لكن في الوقت ذاته أكد لي البعض أنه في هذا الزمن الاغبر لا توجد فتاة خام بمعنى أنها لم تخضِ أي علاقة عاطفية قبل الزواج، ولذلك فهم يتقبلون هذه الحقيقة ويغفرون الماضي العاطفي للشريكة بشرط أن يكون نزيهاً وغير مشين ولا يتضمن علاقة محرمة غير شرعية توصم المرأة بالعار طيلة حياتها. والا توفقوني الراي ان هؤلاء الشباب قد سلموا لامر الواقع في قبولهم هذا ..... لماذا نتنكر بان الحب حق مشروع من حقوق المرأة الانسانية

 حدثني  احد الجالسين اثناء زيارته لي بتعجب ،واسفي على تفكيره المحدود بأن : كيف لي أن أشرب من كأس شرب منها آخر أو أتناول سندويشة أكل منها كثيرون؟! ليعقبه اخر من الحضور: لكني كرجل أفضل طبعاً أن أكون رقم واحد في حياة شريكتي كي لا تحدث المقارنة بيني وبين علاقتها السابقة التي يمكن أن تؤثر سلباً على مستقبل حياتنا الزوجية.
وكان كل من الحضور يحاول ان يفرض رايه علينا فاحتدم النقاش وظهرت حزازيات .... فاخذت بتلطيف الاجواء فأنا مع احترام الراي المخالف لرائي، فأنا من اشد المؤمنين بأن لاختلاف لا يؤدي الى خلاف!

    اما انا فنظرتي إلى هذا الموضوع من زاوية مختلفة، ومختلفة تماماوادعو الجميع لكيما يتعاملون معه بتفهم ومرونة أكبر وذلك انطلاقاً من منطق انساني فاعرض قناعتي هنا علها تفتح افاقًا رحبة :

    إنه من الطبيعي، بل حق من حقوقنا كُاناس أن يخوض الإنسان عموماً نوعاً ما من التجارب العاطفية قبل الزواج خاصة في مرحلة المراهقة والنضوج، لا سيما عندما يبدأ الشاب أو الفتاة بالانجذاب إلى الجنس الآخر...

     أؤمن أنه لا يوجد شي في الحبّ اسمه رقم واحد في حياة أي شاب أو فتاة، إلا إذا كان الطرفان في عمر صغير جداً أي في حالة ان ارتبطا بزواج في سن مبكر.... وانا في العادة لستـ مع مثل تلك الزواجات المبكرة لا سباب كثيرة لا يسعفني الوقت هنا  لأستعراضها .
انه لمن الطبيعي أن يكون الطرفان( الشاب _ الفتاة) قد عاشا بعض التجارب قبل الزواج وهذا برأيي أمر مشروع ومباح طالما هذه التجارب كانت ضمن الحدود الأخلاقية المعروفة وبعلم العائلة اواقله والدة الفتاة ...فمثل هذه العلاقات لن تؤثر سلباً على مستقبل العلاقة الزوجية، كأن تكون الفتاة إنسانة مبتذلة ومستباحة لأي شخص يطلب ودها....فالانسان معمول لأجل الاخر وهو بطبعه كائن علائقي .... واملي ان تحرر من فكرة الزواج التقليدي .
واضيف : أنا لا أؤيد فكرة نبش الماضي العاطفي للشريكين، فمن المفترض أن نكون أولاد الحاضر والمستقبل ونبدأ المحاسبة من لحظة التعارف فقط .لانه ليس من حق اي من الطرفان ان يحاسب الاخر على ماضيه! وأؤكد أنه على الرجل أو المرأة أن يسعيا بشكل كبير ليكون كل منهما هو الأول بحياة الآخر ليس بالزمن إنما بالتعامل الأخلاقي والحبّ ومحاولة الاستحواذ الكامل على قلب وحياة الآخر عبر تقديم المحبة والعطاء وتفهم حاجات ورغبات الطرف الآخر والصدق . فمثلاً الرجل من حقه ان يتعرف على ماضي الفتاة التي يبغي الارتباط بها، لكنه ليس من حقه ان يحاسبها والعكس بالعكس.... لانه اصلا لم يكن في هذا الزمن ( الماضي) موجود....ومن المؤسف له ان الكثير من الشباب ما ان يتعرف على ماضي الفتاة ..... ليهم لتركها .... واتسائل اي ذنب للفتاة ان كانت قد احبت او قد عاشت تجربة حبّ لتدرك ابعاد شخصيتها ووجودها الانساني!

إن نبش الماضي والبحث فيه يعني البحث عن المشاكل، وإن اكتشفت الرجل شيئاً ما في هذا الماضي دعوة له بأن يتجاوزه لانه لم يكن متواجداً فيه، ولأني مقتنع أننا جميع كبشر يمكن أن نخطئ فلماذا لا نغفر، فربنا له المجد يغفر ويسامح. ناهيك عن ان التجارب العاطفية السابقة تعطي الرجل والمرأة خبرات عديدة في كيفية التعامل مع الجنس الآخر بصورة أفضل خاصة عندما يدرك الإنسان الأخطاء التي وقع فيها والحلول الأفضل للتغلب عليها فيما بعد.

و قد تكون أحياناً معرفة الماضي العاطفي ضرورة ليس من أجل المحاسبة إنما من أجل تبيان مدى تأثير هذا الماضي على حياة الشريك وهل سيستمر التفكير فيه، لذلك أفضل أن يكون طرفا العلاقة واضحين في هذا الموضوع منذ بداية الارتباط تجنباً للوقوع في المشكلات، فقد يسمع الزوج عن ماضي زوجته أو العكس من الناس او من اشخاص مغرضين ما يزيد الطين بلة.
    
فالوضوح شرطاً أساسياً في بداية اي علاقة ولا سيما علاقة الزواج، فدعو لكل الشباب بان لا يحاسبون على الماضي نفسه، إنما يحاسبون على الكذب وإخفاء الحقائق المهمة جداً التي يمكن أن تؤثر على مستقبل العلاقة الزوجية.وان كان للفتاة ماض بريء لا يعني ذلك أنها غير مؤدبة أو غير جديرة بالاحترام ، فربما تدخل فتاة ما في علاقة مع شاب ما لكنها من خلال العشرة تكشف انه ليس مناسبا لها. فالعشرة والصدق والتوافق الفكري والعاطفي أسس مهمة جداً لنجاح أي علاقة، وهناك علاقات حبّ عميقة وناضجة فشلت بسبب الكثير من الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي حالت دون انتهاء الحُبّ إلى الزواج، لذلك يجب علينا في مثل هذه الحالات ألا نكون ظالمين وديانين ونحكم على المرأة أنها سيئة ونرفض الزواج بها.
    
بالنسبة الي شخصًيا لو لم ان كاهنًا فلا أكترث أبداً للماضي( ماضي الفتاة) مهما كان شكله طالما كانت شريكتي صريحة جداً في حديثها عنه، حتى ان كان لها اكثر من خبرة حبّ وانها قد جسدت الحبّ مع من احبت. وبالمقابل مطلوبة الصراحة مني أيضاً، وبعد هذه المرحلة يحق لكل الطرفين تقبل هذا الماضي أو عدم تقبله، وأعتقد أن للحالة العاطفية بين الطرفين دوراً كبيراً في اتخاذ قرار القبول أو الرفض، فقد يشفع حبي الكبير لشريكتي واتفاقي معها ويجعلني أتقبل ماضيها مهما كان......


      
ولنسع كلنا لنعلم من ربنا يسوع القائم من بين الاموات كيف انه قبل بتلاميذه الخطيئة الذين نكروه وسلموه وخانوه .... ليعيد من جديد اعطائهم مسؤولية التبشير ..... وكيف انه لم يكترث لماضي ( المرأة الزانية) لتكون هي من تلاميذه .... فهي من القليلات التي استمرت معه الى النهاية وكانت تحت اقدامه تحت الصليب وهي اول من تذهب للقبر في اليوم الثالث .... وهي اول من يظهر لها الرب ويترأى لها طالبا منها ان تخبر التلاميذ بانه يتقدمهم نحو الجليل.... انه الرب يسوع الذي يعلمنا الا نحجم الانسان بماضيه ....


   
ختاما اقول: انك بدون الحبّ لم ولن تكون انسان .... فرحبوا بالحبّ الصادق ايها الشباب والشابات متى طرق ابوابكم.....

 

بقلم: أ. يوسف جزراوي