|
الكلدان الآشوريون السريان - شعب واحد بثلاث تسميات ج3
الكيانات السياسية (الدويلات) القديمة في بلاد ما بين النهرين دويلات المدن كان النظام السائد في عصر فجر السلالات هو نظام دولة المدينة, ويعدّ هذا النظام على أنّه أول شكل من أشكال الحكم في التاريخ البشري. ونمت في دولة المدينة فكرة المواطن والمواطنة. أن ما يدهش الباحثين في حضارة وادي الرافدين أن لا يجد آثارا للنظام القبلي منذ أواخر عصور ما قبل التاريخ. ولعل السبب في ذلك هو ان الوحدة السكانية في السهل الرسوبي كانت القرية الفلاحية أولا ثم المدينة, اللتين اعتمدتا على الأقتصاد الزراعي وجهاز الري والتجارة. كانت دولة المدينة مكونة من مدينة مركزية هي العاصمة, يتبعها مدن اخرى وعدد من القرى والأرياف والأراضي الزراعية. وكان لمعظم المدن أسوار تحيط بها. وكان المعبد مركز حياة المدينة في النواحي الدينية والأجتماعية والأقتصادية والسياسية. الأكديون انتهى عصر فجر السلالات (عصر دول المدن) بتوحيد دويلات المدن وتأسيس مملكة القطر على يد القائد العظيم لوكال زاكيزي. وبعد حوالي ربع قرن برز قائد آخر أشد عزيمة وأصلب عودا منه وهو الملك العظيم سرجون الأكدي مؤسس الدولة الأكدية (2334 – 2154 ق.م) نسبة الى مدينة أكد[1] التي أسسها سرجون بنفسه واتخذها عاصمة له. والأكديون هم الساميون الذين نزحوا الى وادي الرافدين منذ أقدم العصور التاريخية وعاشوا جنبا الى جنب مع الأقوام الأخرى وفي مقدمتهم السومريون. ويعتبر العهد الأكدي بداية لعصر جديد, بدأت فيه ملامح حضارة وادي الرافدين تتبدل تبدلا أساسيا من النواحي القومية واللغوية والسياسية. فعلى الصعيد اللغوي صارت اللغة الأكدية هي اللغة السائدة منذ العصر البابلي القديم (الألف الثاني ق.م) تدوينا وتكلّما. وأتخذ سرجون لقبا جديدا لنفسه هو (ملك الجهات الأربع) وهو لقب ذو مدلول ديني أيضا, لتثبيت السلطان السياسي. فقد كان هذا اللقب خاصا ببعض الآلهة العظام مثل (آنو) و (أنليل) و(شمش) بصفتهم أسياد الخليقة والكون. كما أبطل نظام تولي المناصب العليا (مثل حكام المدن والأقاليم التابعة) بالوراثة. ويستشف من الكثير من الوثائق المكتشفة بوادر الأنتقال من الأقتصاد المعبدي الذي كان سائدا في دويلات المدن الى النظام العلماني في الحياة الأقتصادية والأجتماعية. وقد اسفرت الفتوح الأكدية التي قام بها سرجون وخلفاؤه وأشهرهم حفيده (نرام – سين) عن تكوين امبراطورية واسعة شملت معظم أجزاء الهلال الخصيب وبلاد عيلام والأقسام الشرقية من آسية الصغرى الى سواحل البحر المتوسط. وأصبحت ممالك آشور وبابل وسومر جزأ من امبراطوريته الواسعة والمترامية الأطراف, حيث استولى سرجون على بلاد آشور ومدنها المشهورة آنذاك ومنها مدينة آشور. وبعد موت حفيده نرام– سين انهارت الأمبراطورية الأكدية على أيدي الكوتيين الذين ينحدرون من أقوام جبال زاجروس, وكانوا يجاورون اللولوبيين الساكنين جنوب منطقة شهرزور.ويقال عن هؤلاء الكوتيين أنّهم كانوا برابرة, وأن عهدهم كان من الفترات المظلمة في تأريخ البلاد السياسي. وقد أتخذوا من أرابخا (كركوك) مركزا لهم. وقد تم طردهم علي يد حاكم مدينة الوركاء (أوتو – حيكال), الذي عيّن أور– نمو حاكما على أور. وبعد فترة انفصل هذا الحاكم عن أوتو – حيكال وأسس سلالة أور الثالثة (2112 – 2004 ق.م) حيث أعيدت فيها وحدة البلاد السياسية من بعد فترة حكم الكوتيين المظلمة. ووسعوا مملكة القطر بفتوحهم الخارجية, معيدين بذلك الأمبراطورية الأكدية. العصر البابلي القديم أنّ أبرز ما يميّز العصر البابلي القديم (2004 – 1594 ق.م) هو تدفق هجرات الآموريين الذين نزحوا من المرتفعات المسماة جبل (بسار) ويمكن تحديدها ما بين (تدمر ودير الزور). وقد جاءت على موجتين. الموجة الأولى كانت في أواخر سلالة أور الثالثة, والتي قضت على تلك السلالة ونتج عنها تأسيس جملة سلالات أشهرها (أيسن) و(لارسة) و(أشنونا). وبعد زهاء قرن أنحدرت عن جهات الفرات الأعلى والأوسط جماعات أخرى من الآموريين, استطاع شيوخ قبائلها أن يؤسسوا مشيخات أو سلالات حاكمة أشهرها سلالة بابل الأولى التي أسسها (سومو آبم). ومن اشهر القبائل الآمورية هذه هي قبيلة (أمنانم) التي استوطن فرع منها مدينة الوركاء, كما استوطن فرع آخر منها منطقة سبار (أبو حبة). أما قبيلة (يحرورم) فقد استوطنت منطقة دجلة الوسطى ما بين الزاب الأسفل وديالى. وقبيلة (خانيين) التي أستوطنت منطقة خانة (عانة حاليا). كما تميّز هذا العصر بقيام عدة دويلات استمرت تتحارب فيما بينها حتى قيام الملك حمورابي وفرضه الوحدة السياسية في حدود 1763 ق.م بعد قضائه على سلالة لارسة. وبحدود 1900 ق.م وأثناء ازدهار مملكة ماري, أذ أمتدت سلطتها على طوال نهر الفرات والخابور وشملت منطقة عانة, تعاظم سلطان الدولة الآشورية في عهد الملك (شمس – أدد) الأول الذي كان من أصل آموري, فضم اليه مملكة ماري وأجزاء وسطى من وادي دجلة والفرات. كان الملك شمس– أدد الأول معاصرا لملك بابل المسمى (سين– ميلط) (1812 – 1793 ق.م) وكانت العلاقات ما بين الدولتين علاقات مهادنة ومجاملة. وعندما توفي شمس – أدد الأول في العام السابع من حكم حمورابي 1786 ق.م, أعقبه في الحكم أبنه القوي (أشمي دكان) بينما ظل أخوه (يسمح – أدد) يحكم ماري, ولكنه لم يستطع المحافظة عليها حين نازعه أمير ماري على السلطة, واستطاع أن يطرده منها بمساعدة مملكة حلب. ولكن( أشمي دكان) لم يتقبل ضياع القسم الغربي من مملكته, فأستمرت المناوشات والحملات الحربية ما بين الطرفين. لما جاء حمورابي الي عرش بابل كان يزاحمه في البقاء ويهدد وجود مملكته الصغيرة ملك لارسة القوي (ريم – سين), الذي استطاع القضاء على مملكة (أيسن) ويضمها اليه قبل أن يتبوأ حمورابي العرش بعامين. بالأضافة الى ذلك كانت هناك ثلاث دويلات الى الشمال منها تحت سلطان شمسي - أدد وهي بلاد آشور وأقليم (أيكالاتم) ومنطقة ماري. والى الشرق مملكة أشنونا المستقلة في الأقليم الكائن ما بين نهر دجلة وديالى. لكن الملك حمورابي بقابليته الفريدة وقدرتة المتعددة الجوانب التي ميزته, مكّنته من القضاء على كل الدويلات المزاحمة له, فأنفرد بزعامة البلاد وحقق وحدتها السياسية. أن براعة هذا الملك في الخطط الحربية والأدارة والتنظيم جعلت منه ملكا عظيما, ويعد حكمه الطويل الذي دام 43 عاما من العهود المجيدة في تاريخ حضارة وادي الرافدين وفي التاريخ البشري أجمالا. وأقام حمورابي مملكة موحدة تضم العراق وأجزاء مهمة من بلاد الشام وأعالي ما بين النهرين. وفي عهد ابنه (سمسو– أيلونا) استطاع المسمى (أيلوما– أيلو) أن يثور ويستقل في المناطق الجنوبية من البلاد وحينها أغتنمت بلاد آشور الفرصة فقامت فيها سلسلة من الملوك انفصلوا عن تبعيتهم لأمبراطورية حمورابي. وفي عام 1595 ق.م أسقط الحثيون[2], الذين أقاموا مملكة قوية في حدود القرن السابع عشر ق.م وعاصمتها (حاتوشا), سلالة حمورابي, فهيمن الكشيون والمتمركزون في منطقة الفرات بالقرب من منطقة عانة على بلاد بابل. أن أسباب أنهيار امبراطورية حمورابي هي أعتمادها على رجل واحد هو حمورابي نفسه وميزاته الشخصية, وتفضيل سكان المنطقة نظام دولة المدينة الذي سبق ذكره.عند السومريين, وكذلك في سياسة حمورابي وخلفائه في حصر أهتمامهم بالعاصمة بابل على حساب المدن والأقاليم الأخرى التابعة. الكشيون نزح الكشيون من بلاد اللر, أي لورستان في الجهات الجنوبية من أيران. ولما برزوا كقوة عسكرية في عهد سلالة بابل الأولى أتجهوا في توسعهم الى وادي الرافدين, ولكن خلفاء حمورابي استطاعوا أن يصدوهم فأتجهوا عبر نهر ديالى ودجلة الى الجهات الشمالية الغربية وتمركزوا في منطقة الفرات الأوسط أي في منطقة عانة الأستراتيجية بالنسبة لبلاد بابل. وحين غزا الحثيون بلاد بابل, أنحدروا الى بابل. ويرى المؤرخون أن الكشيين هم الذين أدخلوا أستعمال الخيل الى بلاد وادي الرافدين على نطاق واسع بحيث أصبحت شائعة للنقل وفي الحرب وفي جر العربات. وفي هذا العهد انتشرت اللغة البابلية بخطها المسماري انتشارا أوسع, بحيث أتخذت لغة للمراسلات الدولية الدبلوماسية بين ملوك الشرق الأدنى وحكّامه. ففي هذا العصر كان يحكم في الشرق آنذاك جملة دول أشهرها وأقواها من بعد الدولة المصرية هي المملكة الحثية في بلاد الأناضول ثم يأتي من بعدها في القوة والأهمية الدولة الآشورية في شمالي العراق والدولة الكشية في بلاد بابل, ودولة ميتاني في الأجزاء العليا من بلاد ما بين النهرين. وسرعان ما ظهرت النزاعات ونشبت الحروب بين هذه الدول ولا سيما بين المصريين والحثيين. ومنذ القرن الرابع عشر ق.م بدأت الدولة الآشورية بالتعاظم والقوة وازداد نفوذها في عهد الملك شلمنصر الأول (1274 – 1245 ق.م) وأصبحت تتدخل في شؤون بلاد بابل التي حل فيها الضعف وساءت أحوالها الداخلية, ورافق ذلك قيام سلالة حاكمة قوية في بلاد عيلام, فتجددت أطماع عيلام ببلاد بابل, وبدأت تتحارش ببابل وانتهت تحرشاتها بأندحار الملك الكيشي. ولم يخلّص بلاد بابل من الأحتلال العيلامي الاّ هجوم الملك الآشوري القوي (توكلتي – ننورتا) الأول (1244– 1208ق.م) والسيطرة عليها. وظلّت بلاد بابل تحت الأحتلال الآشوري 7 سنوات. وأثر موت الملك توكلتي – ننورتا استعاد البابليون استقلالهم السياسي ولكنهم اذ سلموا من التسلط الآشوري, فأنهم لم يسلموا من عدوهم الآخر العيلاميون الذين هجموا على بلاد بابل وقضوا على السلالة الكشية في حدود 1162 ق.م. لكن احتلال العيلاميين الأخير لبلاد بابل لم يدم طويلا, اذ اغتنم زعماء مدينة (أيسن)[3] الفرصة وأعادوا استقلال البلاد.
يتبع [1] تقع في موضع ما بين بلدة المحمودية وبين مدينة بابل [3] سلالة أيسن هي أهم سلالة في العهد البابلي القديم أذ ضمت بألأضافة الى مدينة أيسن مدنا أخرى أهمها مدينة أور وتوابعها ومدينة نفر ومنطقة لجش والأجزاء الجنوبية ومن بينها سواحل الخليج.
|