من هو يسوع المسيح

 

الجزءالثاني

 

وميخا النبي تنبأ عن المسيح 700 سنة قبل الميلاد بقوله : "وانت يا بيت لحم أفراتة إنك أصغر عشائر يهوذا ولكن منك يخرج لي من يكون متسلطا على إسرائيل وأصوله منذ القديم منذ أيام الازل"

( ميخا 5: 1 ) ، ومعنى هذه الاية : بيت لحم تعني بيت الخبز وهي انسب مكان يولد فيه المسيح الذي هو خبز الحياة . افراتة تعني مثمرة فمنها خرج الحبة التي سقطت للأرض فأتت بثمر كثير (يوحنا 12: 24 ). بيت لحم مدينة صغيرة ، مكان متواضع يولد فيها المخلص . منذ القديم منذ ايام الازل تشير الى لاهوت المسيح ، حيث اكد المسيح ذلك بقوله :" الحق الحق أقول لكم : قبل أن يكون ابراهيم ، أنا هو " ( يوحنا 8: 58 ) .بهذا يكون المسيح قد أقر أن ابراهيم مات ومات كل الانبياء ، ولكنه اي المسيح كان قبل كل هؤلاء حيا ومعطي الحياة . إبراهيم كان كلدانيا من اور الكلدانيين ، ويتضح حقيقة وجود الشعب الكلداني في ارض اور التابعة للكلدان (تكوين 15: 7 )و( نحميا 9: 7)، آواه الرب في ارض غريبة ، فالعهد الذي اقامه الله مع ابراهيم تأسس على السلوك بالكمال ، فإبراهيم لم يُخِلْ بالعهد . والمسيح هو ابن الله الذي نزل من السماء ليرد غربة إبراهيم ونسله الى الوطن السماوي . ويلاحظ ان المسيح رفض ان يجعل المفارقة زمنية بأن يقول : قبل ابراهيم كنت انا "، بل وضعها على مستوى المطلق الازلي اللازمني :" قبل أن يكون ابراهيم ، أنا هو "، لكي يجعل المفارقة صارخة بين المخلوق والخالق ، الزمني والابدي .

وتنبأ ملاخي النبي 400 سنة قبل الميلاد عن يوحنا المعمدان ليمهد الطريق امام المسيح :" هاءَنذا مرسل رسولي فيعد الطريق أمامي ، ويأتي فجأة الى هيكله السيد الذي تلتمسونه ، وملاك العهد الذي ترتضونه به ." ( ملاخي 3: 1 ) . أما رسولي الذي يعد الطريق فيصفه إشعيا النبي 700 سنة قبل الميلاد : " صوت مناد في البرية : أعدوا طريق الرب واجعلوا سبل إلهنا في الصحراء قويمة . كل واد يرتفع وكل جبل وتل ينخفض والمنعرج يقوم ووعر الطريق يصير سهلا ويتجلى مجد الرب ويعاينه كل بشر لأن فم الرب قد تكلم . " ( اشعيا 40: 3-5 ) ، والانجيلي مرقس جمع نبوة ملاخي النبي على نبوة إشعيا لأنهما يكملان ماحدث بالفعل على يد يوحنا المعمدان . والانجيلي لوقا في

( 3: 15-17 )عبر عن انتظار شعب اليهود كله الذي بدأ يحركه نداء المعمدان ، الذي اهاج في قلوب الاتقياء لهفة انتظار المسيا .

اما النبي زكريا منذ 520 سنة قبل الميلاد تنبأ عن المسيح موكب الشعانين :" اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ "(زكريا9: 9 ) .   

حيث ابنة صهيون تشير الى اسرائيل الجديدة المزمعة ان تكون ، وحيث ملككِ تفيد الملك الخاص بها ومن ابنائها . فهو ليس ملكا اجنبيا الذي يكون دخوله للبهجة جدا . وإنه وديع ومنصور وعادل . وحيث الحمار حيوان السلام والفلاح وليس للحرب والقتال .

ان الصيغة النبوية التي أتت بالمثنى أي أنه جحش وأنه ابن اتان فهي إمعان في انه حمار وليس حصانا أو بغلا ، لان كلمة جحش هي(حيوان صغير للركوب) وهي تصح للحصان والبغل الصغير . أما ذكر ابن اتان فتأكيدا لتواضعه أنه حمار وهذا بيت القصيد . فهو ملك وديع آتٍ للسلام وليس بكبرياء الغازين الذين يأتون على حصان والسيف في يدهم .

وفعلا تحققت هذه النبوة حيث دخل المسيح الى اورشليم في موكب النصرة حسب ماكتبه متى ومرقس ولوقا ويوحنا ، فهناك هتاف الصلاة والترحيب بمقدم ملك الخلاص والسلام ، منظر الموكب والشعب وألوف سعف النخيل والهتاف هوشعنا أي خلصنا . وما عيد المظال إلا نوع من الاعياد التي فيها يترجون مجيء المخلص ويقطعون فيه سعوف النخل ويسمونها شعانين أي للخلاص ، لذلك كان الفرح كما وصفه النبي زكريا :" ابتهجي جدا يا ابنة صهيون " لان فيه يتحقق لها رجاء مجيء المخلص .وكأنه قد حضر صاحب عيد المظال ( الشعانين) وكمل الزمان . وكانوا في عيد المظال يطوفون حول المذبح ومعهم سعوف النخل ويصيحون هوشعنا ، ويجيء الانجيلي يوحنا في رؤياه بمنظر عجيب يمثل التحقيق النهائي لعيد المظال أو عيد الشعانين هكذا :" رأيت بعد ذلك جمعا كثيرا لايستطيع أحد ان يحصيه ، من كلأمه وقبيلة وشعب ولسان ، وكانوا قائمين امام العرش وامام الحمل، لابسين حللا بيضاء ، بأيديهم سعف النخل ، وهم يصيحون بأعلى أصواتهم فيقولون : الخلاص لالهنا الجالس على العرش وللحمل ".( رؤيا يوحنا 7: 9و10 ) . فإذا حققنا الجهد أن نسير في النور ولنا شركة مع الله فإن دم المسيح يكمل شركتنا بفاعلية الدم المسفوك من أجلنا لتطهيرنا ،

لان الطهارة كما عرفنا في العهد القديم شرط اساسي للاقتراب من الله . هنا دم المسيح يطهر ضمائرنا لنستطيع أن نخدم الله وان نلبس ثوب القداسة ، ثياب بيض .

اشعيا النبي تنبأ عن المسيح بشفاء المرضى:" لكي تفتح العيون العمياء وتخرج الاسير من السجن والجالسين في الظلمة من بيت الحبس " ( اشعيا42: 7 )، وفعلا تحقق هذا حيث البشير يوحنا اخبرنا في انجيله المقدس ان المسيح فتح عيني الاعمى :"قال هذا وتفل في الارض ، فجبل من تفاله طينا ، وطلى به عيني الاعمى ، ثم قال له :" اذهب فاغتسل في بركة سلوام ، أي الرسول . فذهب فاغتسل فعاد بصيرا ." ( يوحنا9: 7 ). الاية في مضمونها الالهي تسير الى عملية خلق أو على وجه الاصح عملية (خلقة تصحيحية). فكل عمليات الشفاء التي اجراها المسيح تدخل بند ( الشفاء من المرض)، أما تفتيح عيني الاعمى المولود بدون مقلتي العين فهي ليست شفاء . فنحن هنا امام طبيب البشرية الاعظم يسوع ، بل نحن بصدد عملية خلق ، وأمام الخالق . والتركيز الاساسي في لغة الاية واقع على كلمة ( الطين ) ، لان المقصود هو نقل عقولنا الى سفر التكوين وكيف خلق الله الانسان من  (تراب الارض ) . والملاحظ ان جميع الايات التي فتح المسيح أعين العمي فاكتفى المسيح بأن يمسح العينين المكفوفين بريقه فانفتحا ورأتا النور . أما هذا الاعمى المولود ناقص الخلقة ، فالمسيح وقف منه موقف الخالق وجبل له من الطين ما نقص لجبلته . وانصاع الطين ليد النور الالهي الخالق ، فاستنار . اما خروج الاسير من السجن فيقصد بموت المسيح على الصليب فك أسر الانسان من عبودية الخطيئة .

اشعياء تنبأ في ان المسيح سيبشربالانجيل في الجليل :" في الزمان الاول أذل أرض زبولون وأرض نفتالي وأما في الزمان الاخير فسيمجد طريق البحر عبر الاردن ، جليل الامم. "(اشعيا 8: 23 ) "، "الشعب السائر في الظلمة ابصر نورا عظيما والمقيمون في بقعة الظلام أشرق عليهم النور "

(اشعيا9: 1 ) ، والانجيلي متى بين بداية خدمة المسيح في الجليل: " وبلغ يسوع خبر اعتقال يوحنا، فلجأ الى الجليل . ثم ترك الناصرة وجاء كفرناحوم على شاطيء البحر في بلاد زبلون ونفتالي فسكن فيها ، ليتم ماقيل على لسان النبي اشعيا: ارض زبولون وارض نفتالي طريق البحر ، عبر الاردن جليل الامم. الشعب المقيم في الظلمة أبصر نورا عظيما والمقيمون في بقعة الموت وظلاله أشرق عليهم النور ." ( متى 4: 12-16 ).

الزمان الاول دخول الخطيئة الى العالم والزمان الاخير هو عصر النعمة ، مجيء المسيح .

اما قول اشعيا الشعب السائر في الظلمة والمقيمون في بقعة الظلام ، كانت الاولى كناية عن البعد الشديد عن الله وحالة اليأس ، والثانية كناية عن الخوف والرعبة والخطر المحدق بهم من الغزو والنهب .وهكذا على غير انتظار منهم أشرق عليهم نور عظيم ، وهو نور معرفة الله ورجاء الحياة والخلاص بيد يسوع المسيح .

المزمور 16: 9 و 10  يستشهد بقيامةالمسيح :" لذلك فرح قلبي وابتهجت نفسي لانك لن تترك في مثوى الاموات نفسي "، من النص يبين حينما مات المسيح بالجسد لما شرب كأس خطايا البشرية على الصليب بإرادته كمشيئة الاب ، انفصلت نفسه عن جسده ، لان هذه هي عقوبة الموت .فحينما انسكب الدم من الجسد على الصليب ومع شدة الالام خرجت النفس ، حيث النفس بالدم :" لان نفس الجسد هي في الدم ، وأنا جعلته لكم على المذبح ليكفر به عن نفوسكم ، لان الدم يكفر عن النفس ."

( الاحبار { اللاويين }17: 11 ). وفي نهاية الثلاثة أيام أتت نفسه من الهاوية واتحدت بجسده الذي في القبر ، فقام من بين الاموات .علما بأن الدم حينما انسفك من الجسد وسقط على الارض كفر عن خطايا الجسد ، وشفى لعنة الارض التي تزلزلت عند استقباله :"رُضت الارضُ رضا واهتزت الارض اهتزازا وتزعزعت الارض تزعزعا."( اشعيا 24: 19 )

 

نبوة حول صلب المسيح في سفر المزامير :" احاطت بي زمرة من الاشرار أحدقت بي . ثقبوا يدي ورجلي. وأحصوا كل عظامي وهم ينظرون ويرونني. يقتسمون بينهم ثيابي ويقترعون على لباسي." ( مزمور22:  16 و17 { 17 – 19}) ، وتحقق ذلك فعلا حيث يخبرنا الانجيل المقدس :" وأخذوا القميص أيضا وكان غير مخيط ، منسوجا كله من أعلاه الى اسفله . فقال بعضهم لبعض : لانشقه ، بل نقترع عليه لمن يكون . فتمت الاية : وعلى لباسي اقترعوا فهذا ما فعله الجنود ."

( يوحنا 19: 24 ).

جلسوا عساكر الرومان يقتسمون الغنيمة . إذ ان المسيح كان يلبس أربعة أنواع من الثياب ، منها على الرأس وحول الكتف ، ومنها مايدثر به فوق الجسد ، ومنها الملابس الداخلية ، وتحتها كان يلبس قميصا منسوجا نسيجا واحـدا بغير خياطة . وهذه كلها جردوه منها ، وبقي مايستر جسده فقط . كان الرومان قد اعتادوا أن يصلبوا ضحاياهم عَرايا تماما ،إلا انه في الشرق وعند اليهود كان محظورا حسب الناموس أن يُعرى المحكوم عليه من كل ملابسه .

ومن الجدير بالذكر لقد اطال الشراح قديما وحديثا الحديث عن هذا القميص ، واتفقوا على انه يمثل الكنيسة التي لا تنقسم . يقول العالم بولتمان على ضوء الابحاث والتعاليم الرابية في التلمود وغيره، إن هذا الثوب هو مثل الثوب الذي صنعه الله لادم وأعطى مثله لموسى ليخدم به . ويقول علماء اخرون ، إنه يمثل قميص يوسف الخاص الذي اعطاه له ابوه علامة الحب .اما القديس كبريانوس يقول ان القميص كله منسوج من فوق ، اي ان وحدة الكنيسة مقررة ومعانة من فوق ، من الله ، وليس لانسان ان يمزقها .

وبالمنظر الدامي أمام العسكر وكأنهم بلا شعور إنساني ، كانوا مدفوعين ، يوقعون اعمالهم على صوت داود النبي الاتي من وراء الزمان كلمة كلمة ، كما قالها في المزمور الثاني والعشرين أعلاه .

والانجيلي يوحنا يوضح لنا الادوار التي قام بها كل فريق حسب عمله ، ويرده الى النبوات الخاصة بالمسيح :

فالاول : بيلاطس كملك كتب: " هذا هو ملك اليهود" إعلانا للعالم كله .

الثاني: رؤساء الكهنة :" ينبغي ان يموت إنسان واحد عن الشعب " وبهدمهم هيكل جسده ، هدموا هيكل عبادتهم .

الثالث: اللص حيث قدم التوبة معلنا عن أول ثمرة للصليب :" اليوم تكون معي في الفردوس" .

الرابع : تقسيم الملابس والقاء القرعة من قبل العسكر تعتبر شهادة شاهد عيان .

الخامس: النسوة كمندوبات فوق العادة عن البشرية التي في المسيح:" ياامرأة "

السادس:"التلميذ الذي يحبه :" معنى امانة التلمذة للمعلم .

يتبع الجزء الثالث

 

قرداغ مجيد كندلان