((   حلم صديقي المسيحي  ))

 

 

لم ازل اتذكر ذلك الصيف من عام 2000 عندما  كنت مدعوا مع احد اصدقائي على الفطور الرمضاني في بيت صديق  مسيحي في منطقة الدوره,وكانت بغداد جميلة جدا في تلك الليالي الرمضانية ,ما ان حانت ساعة الافطار حسب توقيت تلفزيون بغداد الذي كان هو واحد من قناتين فقط يمكن للمواطن العراقي مشاهدتها كانت المائدة عامرة بكل شئ وفقا للتقاليد التي تعودنا عليها نحن المسلمين   وكنت اقول لصديقي ...والله كأن امي هي من أعدت هذه المائدة فلقد تضمنت كل شيء وفقا لأعرافنا وتقاليدنا, انتهينا من الفطور وعلى صوت قرقعة اقداح الشاي كنا نتبادل اطراف الحديث عن الامنيات والاحلام, كان حلمنا جميعا ان يكون العراق البلد الافضل في المعمورة وان تنتهي الحروب والازمات وتتحقق احلامنا الصغيرة والكبيرة  في هذه الاثناءكان صديقي المسيحي يخرج من حقيبته كاسيتا قديما ويحشره في المسجل دون ان يرفع حدة الصوت وتراءا لي انه كان يخاف من شئ ما, كان المغني يردد اغنيته بحماس لم افهم منها شيئا في حينه لكنه اخبرني ان هذه هي اللغة الام التي يتكلمها فسألته بدهشة ... لماذا لانعرف منها ولاحتى كلمه كالاغاني الكردية والتركمانية ... فنحن عهدنا اللغتين الكردية والتركمانية وقد نفهم احيانا بعض كلماتها  في الشارع والاغاني وغير ذلك راح صاحبي يشرح لي كيف تنتقل هذه الكاسيتات من بيت الى بيت بسرعة  تامة  بعيدا عن انظار رجال الامن طلبت منه ان يترجم لي بعض مايردده المغني فشرع يترجم لنا كلمات شعرنا معها بأن هذه الفئة من الشعب العراقي مغبونه ومغيبة ومن حقها ان تصنع لنفسها شيئا خوفا من الضياع والاندثار, كانت حينذاك هذه هي احدى اغاني مطرب مشهور اسمه ايوان اغاسي ...

اعجبتني كلماته التي لم افهم منها حينها غير المعني وهو يقول بما معناه ... ان حلمنا سيتحقق ان لم يكن هذا العام فالعام الاخر ...

 

 حينها تعاطفنا كثيرا مع صديقنا المسيحي انا السني وصديقي الشيعي الذي كان طيارا انذاك لم ازل اتذكر كم ترك هذا اللقاء اثرا في نفسي عندما قفلت راجعا الى البيت ذاك المساء دخلت مكتبة والدي العامرة ورحت افتش عن كتاب ليشفي حسرتي وبعد بحث طويل ومتعب وجدت في مكتبة والدي كتابا للدكتور جان موريس فييه الدومنيكي يتحدث فيه عن احوال المسيحين في خلافة الدولة العباسية ...

 

تمسكت بالكتاب حتى لاح لي فجر اليوم التالي وحزنت كثيرا وانتابتني كآبة شديدة  لأنني أحسست بحجم التغييب الاعلامي لحضارة عريقة ومجتمع اصيل كنت اتمنى حينها ان اقدم شئ ولو بسيط له كونه عراقي مثلي

 

ماان حل صباح جديد حتى سارعت للاتصال بالاستاذ الزميل شمعون متي كونه مسيحي وسيساعدني في الوصول الى شخصية اجعلها محور مشروع برنامجي التلفزيوني الذي انوي ان ابدا بتنفيذه, طلبت منه ان يساعدني في عمل  برنامج خاص عن راهبة متميزة, بعد اتصالات عديدة مع الاب يوسف توما تم ترتيب لقاء مع راهبة  دومنيكية اسمها اولغا, ووسط كم هائل من الانتقادات من قبل المسؤولين عن القناة التي كنت اعمل فيها انذاك كان البرنامج الخاص عن اولغا وهي تتجول في القرى المسيحية وتوزع الهبات والمساعدات قد حقق شعبية كبيرة وسط الناس وحتى وسط عائلتي البسيطة اذ لم يكن احد من وسطي الاجتماعي يعرف شيئا عن امنيات واحلام المسيحيين ,

راحت اللقاءات بعد ذلك تترأى مع الأب يوسف توما حيث قمنا بتنضيج فكرة لصناعة

فيلم وثائقي يصور كل الكنائس القديمة من الشمال للجنوب واعجب الاب يوسف بالفكرة وتطوع لمساعدتي

بعد ان كتبت المسودة الاولى للفيلم وعرضتها على مديري المباشر انذاك(د0 ---)

رفض بشدة معللا رفضه بان لايتفق وسياسة البلد الاعلامية

عند ذلك تاكد لي ان التغييب مقصود فعلا ,

 

 

اما اليوم فلقد انقشعت الظلمة وانتهى زمن التغييب الاعلامي عندما ابصرت قناة عشتارالنور في صيف 2005 لتنشر اللغة والتراث والعادات والتقاليد والاغنيات والامنيات ولحظات الفرح والحزن والترانيم ..تنشر البناء والاعمار وكل احلام المسيحيين الصغيرة والكبيرة اذ لم يعد بالامكان الاختباء فكل شئ نال حظه من الضوء والالق حتى الكوذا التي يغني لها جنان ساوا اجمل اغانيه( يازلهم ياثكرم اقله وايداثا ايصيرا)وبعد 3 سنوات من العمل مع عشتار صرت افهم بقوة اغنية ايوان اغاسي واحلل كلماتها التي تعجبني كثيرا لانها تختصر حلم امة عانت من التنكيل والاضطهاد طويلا والان وانا ارتشف فنجان شاي الصباح اعتقد بان حلم صديقي المسيحي قد تحقق وقطع أشواطا طويلة.

عبدالخالق الجواري

مخرج وكاتب