رسائل تهنئة للبطريرك ساكو من رئيس مجلس اساقفة فرنسا، مار ميليس وصموئيل كوموش      البطريرك ساكو يستقبل نائب السفير الأمريكي      الكردينال بليز سوبيج يستقبل المطران بشار وردة في شيكاغو      شاهد الأب مارتن بني وهو يتكلم عن دور المسيحية في نشر السلام في العراق والعالم      بيت يسوع الطفل في بغديدا يحتفل بتخرج 250 طفلا      الحكومة التركية تعيد 55 سند ملكية لمسيحيي ماردين      جمعية ’عون الكنيسة‘ تضع حجر الأساس لـ97 بيتًا لمسيحيي حمص      كمال يلدو: مع الناشط المدني الاستاذ كامل زومايا، نائب رئيس منظمة (شلومو) لتوثيق الجرائم      قبول الأب شمعون خاميس كاهنا رسميا في أبرشية أوربا لكنيسة المشرق الأشورية      شاهد .. تسعة من اللاجئين المسيحيين الناجين من داعش يروون ما حدث قبل سقوط الموصل      المحكمة الاتحادية العراقية ترد دعوى إلزامها بعدم المصادقة على نتائج الانتخابات      البرلمان العراقي يدرس استصدار قرار حاسم بشأن إلغاء الانتخابات أو إعادة العدّ يدويًّا      هيئة الأنواء الجوية: إعصار "مكونو" لن يصل إلى إقليم كوردستان      إعلان الطوارئ في ولايات أميركية      للسيدات.. فائدة غير متوقعة من الوجبات الصحية      إعلان أسماء مرشحي جائزة البوكر المرموقة للرواية      الريال يحتفظ بعرشه في دوري الابطال      البابا فرنسيس: معادلة الإرهاب بالإسلام.. ’كذبة تتسم بالحماقة‘      مسعود بارزاني في ذكرى42 لثورة كولان يؤكد على ضرورة "تحقيق الرسالة"      علاوي يطالب القضاء بفتح تحقيق عاجل وشامل بالاتهامات الموجهة لمفوضية الانتخابات
| مشاهدات : 475 | مشاركات: 0 | 2018-02-12 10:03:33 |

قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

د. كاظم حبيب

 

 

عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.

(5،1-5)

هل بعد روعة روشنگ، تعذيب وفلق في كرمان؟!!

الطريق من إيران إلى أفغانستان مليء بالمغامرات والمخاطر، طريق يمر عبر معبرين رئيسين يستخدمان من قبل الجماعات التي تسهل العبور مقابل دفع مبالغ مالية: هما طريق طهران – زاهدان–هرات في أفغانستان، ومنها إلى كابل، أو طهران – مشهد في إيران-هرات في أفغانستان، ومنها إلى كابل، حيث يصبح الطريق سالكاً بالطائرة إلى موسكو، الاتحاد السوفييتي حينذاك. يواجه عابرو هذه الطرق الكثير من المصاعب والعقبات، بما في ذلك محاولات سلب ما يملكه الشخص من نقود أو كاميرات أو أشياء ثمينة يعتز بها لجانبها المعنوي. وأثناء وجودي في حركة الأنصار الشيوعيين قرابة خمس سنوات، استخدمت، بمساعدة تنظيم الحزب بإيران، طريق زاهدان في العبور إلى إيران ومنها إلى كردستان العراق، وطريق مشهد بإيران للعبور إلى أفغانستان، كما استخدمت مرة واحدة الطيران السوري في الوصول إلى إيران والخروج منها، بجواز سفر سوري. وعبر الطريقين، سواء أكان مع الأفغان أم مع الإيرانيين، كان العاملون في تهريب الأشخاص يتميزون بالجشع والرغبة في انتزاع وسلب كل ما يمكن انتزاعه من الرهينة عندهم. ويشعر المرافق لهم بخطورة الوضع وما يمكن أن يتعرض له، إن لم يستجب لمطالبهم غير المبررة. وإذ عبرت بسلام في السفرات الثلاث، لكنها كانت مليئة بالصعاب ومخاطر الوقوع بأيدي قوات الپاسدار الإيرانية، التي لا تعرف الرحمة ولا الخلق القويم، والتعرض للعطش المهلك الذي يقترب من حافة الشعور بقرب النهاية.. وخلال سنوات العقد التاسع من القرن العشرين وقع أنصار أحبة أسرى في كمائن الپاسدار وجواسيس العدو الإيراني وعيونه المبثوثة في كل مكان، فاعتقل وعذب وسجن بعضهم قبل ان يطلق سراحه، عبر وساطات كردية أو دولية غير قليلة، حصل هذا للرفيق الفقيد النصير الدكتور رحيم عجينة، والرفيق النصير، الذي عين فيما بعد وزيرا في الكابينة السادسة لحكومة إقليم كردستان، جورج يوسف منصور، وكذلك نقيب الفنانين لاحقاً الرفيق النصير صباح المندلاوي. كما استشهدت مجموعة طيبة من الرفاق وهم على طريق العبور من سوريا- تركيا-العراق، وبالعكس.

كان على الرفيق النصير يحيى علوان أن يصل إلى كردستان العراق عبر سوريا-تركيا العراق، وأن يغادر المنطقة، بعد ست سنوات، عبر زاهدان، ثم يُجبر، في ظروف مريرة، للعودة والعبور عبر مدينة مشهد. ولهذا أطلق الكاتب على رحلة العودة بـ "رحلة الضنى"! وهو على حق كبير، وحين التقينا قبل فترة وجيزة، تحدثنا معاً، فأخبرته بأني أطلقت على رحلتي كلها "رحلة الآلام" ولم أنشر ما كتبته حتى الآن!

كان الرفيق النصير أبو جنان (زهير الزاهر)، مسؤولاً عن تنظيم الحزب في إيران، بعد مغادرة الرفيق أبو علاء وعائلته الطيبة طهران، وإقامته محطة ضرورية للحزب في كابل، لغرض استقبال وتنظيم سفر الرفاق. وقد هيأ الرفيق زاهر مجموعة من الرفاق الشجعان والملتزمين بالسرية واليقظة إزاء جواسيس العدو وعيونه، كما اقام مجموعة من العلاقات التي تسهل له إنقاذ الرفاق في حالة وقوعهم بأيدي العدو. ولم تكن هذه المهمة سهلة، ولم تكن موفقة باستمرار. كان الرفيق يستفيد، بذكائه وكفاءته وتميزه التنظيمي ودقة عمله، من مواطن ضعف العدو، التي تبرز بشكل كبير في النظم الاستبدادية المركزية. ومع أن الكثير من الرفاق كانوا يغادرون طهران في أوقات متقاربة، إلا أن كلاً منهم لم يكن يعرف ب وجود ومكان الآخرين بطهران أو الطريق الذي سيسلكونه.. إنها ضرورات الصيانة في بلد مليء بالجواسيس والعيون، منهم إيرانيون ومنهم عراقيون زعران، في مدينة مثل طهران! ولم يكن الرفيق أبو جنان يميز في ترحيله الرفاق بين القادة والكوادر أو الأعضاء، فلديه كانوا كلهم سواسية، يفترض أن يخرجوا بسلام من إيران..

حل موعد مغادرة الرفيق يحيى علوان، وكنت حينها في طهران، على وشك الرحيل أيضاً، واختير له طريق زاهدان. رافقه أحد رفاق الحزب المتحدثين بالفارسية. وفي زاهدان، وفي طريق العبور إلى الجانب الآخر من الحدود إلى أفغانستان، حصل له ما لم يكن في الحسبان، لاسيما وأن الرفيق يحيى يعاني من ركبة مريضة لا تقوى على حمله في الحالات الطبيعية، فكيف والأمر يتطلب السرعة في السير والركض أحياناً أو حتى القفز بضعة أمتار من عل.          

يكتب يحيى: "الطريق، التي سلكناها حول قرى صغيرة في أطراف زاهدان تغط في النوم.. إلا من بعض دواب تنهش زرع الأرض في الظلام البارد.. تنظر إلينا بعيون جامدة، فيما تجتر العشب.. ليل مسلح بالظلام.. ظلمة تمد آذانها، تسترق السمع.. تجس النبض.. توحي بعيون خفية تراقبنا فتملأ الجو ريبة..". (ص 195). كان السير طويلاً في أرض يصعب السير عليها وبركبة مريضة.. فيستكمل قوله.. "هدني التعب، ونزفت ما تبقى لي من قوى. ومما فاقم تعبي حدَّ الإرهاق، أن البرية ابتلعت القمر الرضيع، وكنست السماء من نجوم براقة، سال بعضها يجرجر خيطاً لامعاً خلفه، لم تلبث أن لملمته بسرعة، مثلما يمحو الأطفال في دفاتر المدرسة خطاً إملائياً.. فرحت أتعثر، وبعصاي أتقي السقوط.. بينما يلح مرافقي أن أسرع، كي لا يفوتنا الموعد في زاهدان!.... كنت اترنح من الأعياء.. حاولت أن أقف كي استرجع أنفاساً هربت مني، أتناول جرعة ماءٍ، تحت قبة الظلام.. إلا إنه أبى!..". (ص 196).  كان مرافقي يحثني على السير "تحامل على نفسك، إن كنت تريد النجاة"!.. يحاوره يحيى، "ولكن حملي ثقيل، يا رفيق!. يرد عليه "تخفف منه، القِ به"!. لم ينتبه رفيق الطريق، أن يحيى لا يستطيع التخلص من حمل ماضيه المثبت في دفاتر يحملها على ظهره. يقول له: "حملي مشدود على ظهري! كيف اتخلص من ماضيَّ..؟!". إنها المحنة حقاً، ألمُ الركبة الذي ينهشه، وحِملهُ الثقيل على ظهره يزيد جهد الركبة ويضاعف آلامها! يحاول رفيق الطريق أن يقارن بينه وبين رفاق آخرين ساعدهم على مغادرة إيران عبر الطريق ذاته، ولكن هل يمكن مقارنة اصحاء سالمين/ مع شخص يعاني من ركبة مريضة هي المسؤولة عن حمله ونقل خطاه!

في مثل هذه الأوضاع الحرجة، يعيش المرء احداثاً شتى، تقفز إلى ذهنه كشريط سينمائي، حيث قضى سويعات حلوة في بيت المسرحي الكبير الرفيق خليل شوقي، علها تخفف من آلام الركبة والظهر وغيرها. كان إنساناً بديعاً احبه يحيى كما أحبه عراقيون وعراقيات كثُّر!..

كان على يحيى أن يصل إلى حفرة يقبع فيها لحين وصول الدليل ليعبر به الحدود. قال رفيق الدرب، أترى تلك الحفرة، علينا أن نصل إليها.. تمنى لو أن تأتي الحفرة إليه.. ولكن كيف؟ تركه الرفيق للحظات ليقضي حاجة، وسار هو صوب الحفرة.. انزلق فيها.. فماذا جرى؟ صدمه ضياء أعشى عينيه، وأيدٍ تلقفته بقسوة ووحشية، فما كان منه إلا أن يصرخ بصوت مرتفع يسمع حتى عن بعد "كمين.."، كان يريد أن ينبه رفيقه كي لا يتوجه صوب الحفرة فتتلقفه الأيدي الخبيثة.. وحسناً فعل! ذكرني سلوك الرفيق يحيى بحادثة مماثلة حصلت في العام 1955. حين كنت أسكن مع رفيقين في غرفتين في عقد النصارى ببغداد. يبدو أن الأمن قد اكتشف البيت الذي نسكنه. نصب كميناً لنا ليلاً.. حين وصلت البيت مساء، فتحت الباب تلقفتني أيدي شرطة التحقيقات الجنائية وأدخلتني الغرفة، كان الرفيق عبد الأمير الصراف قد وصل قبلي ووقع في أيديهم. كنت أعرف أن الرفيق أبو قاعدة (كاظم فرهود) سيصل البيت قريباً، فبدأت أصرخ بصوت مرتفع معترضاً على اعتقالي، علَّهُ يسمعني، فرعوا يضربوننا بقسوة بالغة لكي نسكت، ونحن لا نكف عن الصراخ، إلى أن أدركوا إن الرفيق كاظم فرهود لن يأتي، وفعلاً فقد علمنا فيما بعد أنه سمع صراخنا من بعيد وعاد راجعاً من حيث أتى وتخلص من الوقوع في الكمين! 

كتب يحيى: وبأسرع مما أسترد الشهيق، طُرحتُ أرضاً .. أحسستُ بالتراب يعفر وجهي.. كادت ذراعاي تنخلعان من الكتفين، عندما شدوا وثاقي إلى الظهر.. "ضبطوا!.." وضعي بسرعة.. كمموا فمي وشدَّوا عصابة على عيني ثم أحكموا رباط القدمين! حتى أحسست بنفسي مرمياً على صفيح بارد على ظهر سيارة پيكاب، لا تفتأ تخضني كشگوة لبن.." (ص 200).   

حين توقفت السيارة وأنزلوه منها سقط أرضاً.. لم يقو على النهوض .. شتموه بشتيمة عراقية من فم جايفُ .. صرخوا "ابن الزفرة"! عرف أنهم عراقيون.. من جنس أفراد النظام الإيراني وأتباعه.. ثم جاءته صفعات قاسية "أجلسوني على كرسي متهالك، يصدر صريراً عند أبسط حركة.... جاءني صوت: "يا الله سولفنة.. تره عدنه كل المعلومات، عنك وعن ربعك.. وإذا تچذب، راح نصلخ جلدك!.. أول وتالي نحجيك! (ص 202). كان أبو أحمد وصاحبه ملا جواد.. هما من يستجوبانه.. راودتني أسئلة عادلة ومشروعة: أين هما الآن، وبعد هذه السنين الطويلة، في أي قيادة لحزب إسلامي هم يعملون، أو على رأس أي ميليشيا طائفية شيعية مسلحة يقودان، أو أي وزارة يحتلان بالعراق؟؟ فهما من الصنف الرث  نفسه الذي يحكم عراقنا المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب..

كتب يحيى يصف جلاوزة الجلادين المستبدين: "هكذا هو عرف الجلاوزة في أنظمة الكراهية والاستبداد، أياً كانت مسمياتهم.. ينهالون على الضحية أولاً بكل ما أوتيت لهم من بشاعة، كي تسهل مهمة "تغريده" استنطاقه، بما يريدون أو ما يفيدهم!.." (ص 2003). استعصى عليهم استنطاقه، فهو ليس من النوع الذي يلين أمام هكذا أوباش.. عالجوه بتعذيب وحشي، رضرضوا عظامه، رفعوه فلقة أوجعت باطن قدميه.. حاولوا سحق مقاومته.. عجزوا عن ذلك.. كان الغيظ والغضب والانكسار سيد الموقف لدى الجلاوزة، وفرحة الصمود الممتزجة بألم الضربات القاسية لدى المناضل يحيى علوان.

وكنت، أنا أقرأ هذا الكتاب القيم للصديق يحيى علوان، حطَّت ذاكرتي عند العام 1955 مرة أخرى، حين جرى اعتقالي مع عازف الكمان عبد الأمير الصراف وساروا بنا إلى بناية التحقيقات الجنائية.. وهنا تسلط علينا المفوض أنور عبد العزيز وأدهم العاني، أشبعونا ضرباً وتعذيباً وفلقة.. زاد غيظهم حين جوبهوا بالصمود والصمت. أعيدت هذه المسرحية في سجن بغداد، قبل ترحيلنا إلى سجن بعقوبة لنقضي فيه بقية الحكم الصادر بحقنا. جاء السجانة، جلاوزة مدير السجن، لطفي الخزرجي، والنظام الملكي، بالفلقة.. بدأوا بالضرب على باطن القدمين لكلينا، بدأت أعد معهم 1، 2، 3.. وبصوت مرتفع حتى وصلت للضربة الـخامسة والستين بعصا مهيأة لهذا الغرض.. كنت راغباً أن أغيظهم، أن أقهرهم، توقفت عن العد، عجزت عن المواصلة.. لم نعد قادرين على السير بعد أن فكوا وثاق أرجلنا.. ولكن كان لا بد من السير وتحمل الألم، لكيلا تُصاب القدمان بتخثر الدم.. وهم يدركون ذلك ويجبروك على السير شئت أم أبيت!!

حين سمع يحيى العميلين العراقيين يتحدثان عن وجود جواسيس يعملون لصالح صدام حسين، استنفرت كل أحاسيسه واستفزت مشاعره وروحه الكفاحية.. "رنَّت كالناقوس في رأسي....، قلت بحدة ظاهرة ما شأني بذلك؟! .. أنا واحد من المناضلين ضد صدام ونظامه، عانينا من نظامه الإجرامي.... أنا شيوعي، ومنذ ست سنوات، أنا في صفوف الأنصار، ألا تخجلون من هذا السلوك الشائن والتعامل المنحط مع من يقارعون صدام بكل الوسائل؟!.." (ص 205). لقد كانت جرأة من يحيى أن يقول لهم بأنه شيوعي..، أن يتحداهم وليكن ما يكون.. السجن بهذه التهمة في إيران أشرف بما لا يقاس وأكرم من أن يتهم الإنسان بالتجسس لنظام صدام حسين الفاشي.. وضُع يحيى في زنزانة انفرادية لا تختلف كثيراً عن الزنزانات الانفرادية في سجون العراق الموحشة، ضلت تحرك فيه المشاعر والذكريات ويستعيد قصائد يحاول بها أن يقتل الوقت الثقيل، أو ينظم نثراً شعرياً ضمنه كتابه بلغته الشعرية الرشيقة التي لا يتسع المجال لذكرها..   

تغير التعامل قليلاً، ولم تتغير الجفوة والكراهية.. فهم مجبولون عليها! يبدو إن الرفيق المرافق، الذي نجا من الكمين، أوصل خبر الاعتقال إلى المسؤول بطهران.. دخل للحال على الخط.. أجرى اتصالات.. فهو مسؤول عن سلامة رفاقه.. أمكن الاتفاق، على توفير فرصة لهروبه، عبر وسطاء بطهران.. وعبرهما مع الحراس المناوبين.. تم ذلك بسلاسة، رغم القلق الذي هيمن على يحيى، فهو ما يزال يواجه حظه العاثر.. استقبله الرفاق، إذ حط، بعد عدة أيام ومن جديد، في بيت آخر بطهران ليعيش تجربة سجن إجباري، أو قل، اختياري، جديدة..

كان عليه أن يبقى فترة في هذا البيت الجميل، الذي أصبح سجناً له ولرفيق آخر، إذ حرم عليهما الخروج من الدار خشية الوقوع بيد العدو.. فيحيى الآن هارب من قبضة الپاسدار.. ومطلوب رسمياً منهم. لم يعد في مقدوره رؤية روشنگ، تلك المرأة التي أسعدته ليالٍ ثلاث، ليس ممكناً التفتيش عن الطبيبة في مستشفيات طهران وشوارعها لتخفف بشفتيها وحبها عن بعض آلامه وأوجاع الضربات التي تلقاها على جسده المنهك!!         

        رحلة الضنى..، رحلة الضياع والجوع والعطش في الطريق إلى مشهد!

لم يترك الرفيق أبو جنان رفيقه أبا علياء أن ينتظر طويلاً بطهران، هيأ له بأسرع ما يمكن، إمكانية السفر إلى مشهد، إنه طريق العبور الثاني، الذي لا يخلو من مخاطر وعقبات الپاسدار، ومن صيادي النقود وباعة المخدرات، وهم يجوبون بدراجاتهم النارية مدن وأرياف أفغانستان وهم يحملون سلاحهم.. رُحّل مع عائلة بالقطار المتجه إلى مدينة مشهد بخراسان... كان كل شيء على ما يرام، مهيئاً لإيصاله بسلام.. ولكن، هل يترك حظ يحيى العاثر الرحلة بسلام، أم يلاحقه أينما حلَّ أو ذهب..، هل يمنحه فرصة النجاة لرؤية بنيَّته بسهولة.. عليه أن يدفع ضريبة حب الوطن وعشق الناس بالعراق..

انطلق القطار يسير الهوينا. إنه وبقية المسافرين، يسمعون أصوات الصواريخ تتساقط على طهران وضواحيها.. مرّ وقت مرح مع طفلي العائلة التي ترافقه.. اهتزازات القطار الرتيبة نسجت خيوط إغفاءة هانئة.. كتب يحيى "لست أدري كم من الوقت مضى، عندما انتزعَنا من المقاعد انفجار هائل، فتوقف القطار فجأة وانطفئت الأضواء.. هبَّ كل المسافرين مذعورين للنزول من العربات متدافعين، بعضهم قفز من الشبابيك.. حلَّ رعبٌ خرافي.. كنا قبل قليل في حيز مرئي محدود المعالم، صرنا في عتمة بلا حدود، كأننا نزلنا إلى عالم الظلمات!.. أصوات مخنوقة، أطفال يبكون، نساء ورجال وشيوخ يبحثون في الظلام عن ذويهم، كما لو أن مجهولاً يترصدهم في الظلمة...". (ص 244). لم يفقد يحيى العائلة التي رافقته فحسب، بل فقد هويته المزورة أيضاً وكل حاجياته، وأصبح الآن في خطر الوقوع في أيدي الپاسدار عند كل نقطة تفتيش.. والمسافة إلى مشهد بعيدة.. كان عليه أن يسير في الاتجاه الذي يسير فيه الآخرون، عله يصل إلى مشهد.. يقول يحيى: "بما أنني لا خبرة لي بالمكان وجغرافيته وليس لديَّ أوراقٌ ثبوتية، حتى المزورة منها.. وبالتالي لا أعرف المسافة إلى زمنان، سمعت مرة أن فيها أكبر معتقل لأسرى الحرب العراقيين" قرر اللحاق بهم، "أردد في نفسي "نزل جواد عند مرقد الرضا" كي لا أنساه. فهو خيط الأمل المتبقي للحاق بالعائلة.." (ص 245.) كانوا يسيرون ثلاث ساعات ليرتاحوا ساعة.. مرً يومان على هذه الشاكلة. وصلوا إلى محطة تعبئة المحروقات ولمح راية الهلال الأحمر. كتب يحيى علوان: "لمحت إلى جانب المحطة راية الهلال الأحمر فوق مبنى متواضع، إلى جانب مُصلى. اتجهت نحوه طلباً للمساعدة في تطبيب القروح في قدميّ، علني أحصل على بعض الحبوب تلجم أوجاعي.. كان في المركز امرأة ورجل بملابس بيضاء، حاولا إلجام استغرابهما من هيئتي، لكن سرعان ما تبدل الموقف إلى اهتمام واضح حين لاحظا أنني "أخرس". أدخلاني إلى غرفة المعالجة وأحضراً طستاً صغيراً فيه ماء دافئ. غسلا الجروح طبباها بمرهم، وضعا قطناً ولفافات معقمة، غسلا شعري ورقبتي، قالا عليك أن ترتاح قليلاً." (ص 253) لم يكن لديه وقت للراحة.. تركهما في رحلة صوب التيه والعطش والجوع. يهرب من نقاط التفتيش يختفي في حفرة في البراري. لكي ينجو بنفسه من أسئلة من يلتقيه في الدرب، ادعى الخرس والبكم.. فكانت تجربة جديدة يمر بها لم يفكر بها يوماً.. الطريق طويل، بعد مسيرة يوم كامل هدَّه التعب.. اشتدت الآم الركبة وقروح القدمين، رغم العلاج والحبوب المسكنة، والجوع يرهقه ويضعف قدرته على السير.. سار بعيداً عن الطريق العام ليتجنب اللقاء بالبشر.. أجبر على خوض ماء نهر ليعبر إلى الجهة الثانية، كتب يقول: "عندما خضت في ماء النهر حتى السرة، كان بارداً جداً، يحدث ما يشبه فعل المِشرط. لكن قمراً ضامراً مثل بيضة، كان قد نهضَ من فراشه متأخراً، يغتسل في النهر، ابتسم لي وغمزني مشجعاً.. حين صرت في الجانب الآخر، كنت أرتجف مثل سعفةٍ، أحاول منع أسناني أن تصطك بسرعة.. جمعت كومة من الأوراق اليابسة والعيدان، أشعلت ناراً، رحت أطعمها من الأغصان، وأتحسس دفئاً لذيذاً بدأ يدب فيَّ قرب النار، فيما الجزء البعيد عنها من جسمي كان يختض برداً..". (ص 260).   ثم واصل السير، بعد أن جفف ملابسه.

قطع مسافة طويلة في غابة، بدأت الآمه تعضه من جديد، وزادها بؤس الحالة النفسية وعدم معرفة وجهة السير.. أجبر أخيراً على العودة إلى الطريق العام، لم يعد قادراً على السير، كان عليه أن يتحرى عمن يساعده للوصول إلى مبتغاه.. كتب يحيى بلوعة ومرارة "يا طريق الضنى!.. أما كفاك شبتَ على كتفي .. فهلا تكرمت وترجلت؟!.. في اليوم التالي، ظهراً بدأ الطريق ينحدر كاشفاً عن أفق رحيب، أغراني باستراحة طويلة نسبياً في طريق ترابي غير معبد، ينحدر إلى يمين الطريق العام، ...". (ص 256).

عجيب أمر الإنسان، قدرته على التحمل لا نهاية لها.. كتب عن رحلة الضنى يقول: "كنتُ طوال الرحلة أحمل الطريق على كتفي، أداريه، لكنني دُهشت لما بلغنا مفترقا، قفز من على كتفي، تركني حتى دون وداع.. فصرت حيث أضع قدمي يصير الطريق!..".         

"من بعيد لاحت شاحنة كبيرة (تريلر) تُرسل في الفضاء عموداً من دخان رمادي. توقفت عندي وأشار لي السائق البدين، ذو الوجه السمين المُدوَّر، أن أصعد إلى جانبه في القمرة بسرعة. صعدت وحييته بإشارة من يدي.. تذمر قائلاً اللعنة على الشيطان، الذي أرسل لي أعرج وأخرس.. ثم خبط بكفه الغليظة على مقود الشاحنة "راديو ماشين خرابت! فَهمِدي؟!..". واستأنف متذمراً "أريد من يسليني كي لا أنام، فأمامي مسافة طويلة. ماذا فعلت كي يرسل الله لي شخصاً مثلك؟!..". بلع يحيى اللعنة، إذ نجا من سير طويل للوصول إلى مدينة مشهد.. في نيشابور وجد من يأخذه معه، وهو الأخرس والأعرج، بعد أن فهم صاحب العربة منه إنه يريد الوصول إلى الإمام الثامن، إلى علي موسى الرضا. قال له، أنا ذاهب إلى السوق فانتظرني. حين نزل من العربة مودعاً السائق يقول يحيى "الآن فقط، خلعت عني "حجاب "الخرس". ووجد صاحب نزل جواد، "لقد بدأ الحظ يبتسم لي من جديد". والتقى العائلة التي فقدها عند الانفجار في الطريق إلى مشهد وعمها الفرح... وعاد الأمل بالوصول إلى غايته، إلى رؤية ابنته، نهاية لبعض ألامه..                  

 انتهت الحلقة 5،1 من 5 وتليها 5,2 من خمسة   








شارك برأيك
  



اربيل عينكاوه

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    info@ishtartv.com
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    web@ishtartv.com
    article@ishtartv.com
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2018
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 1.2367 ثانية