قناة عشتار الفضائية
 

مسيحيو المشرق "أقليات"؟ التعريف أزمة والنتائج ضبابية



 

عشتار تيفي كوم/

*أبرام لويس ناشط حقوقي مصري

تضم معظم دول العالم أقلياتٍ متنوعة تختلف عن الأغلبية في العرق أو اللغة أو الدين، وتقدر الدراسات وجود 223 جماعة إثنية وأقلية كبيرة في العالم مجموع أفرادها يقرب من900 مليون نسمة، تخضع للتمييز في المعاملة والتصنيف الدوني بأسلوب أو بآخر.

 التعريف الدولي للأقلية

ولا يوجد تعريفٌ قانوني موحد لمصطلح "أقلية" في القانون الدولي لكن مدلوله العام يشير إلى مجموعة من البشر تعيش جنباً إلى جنب مع بقية مكونات الشعب في الدولة الواحدة ولكنها تنفرد عنها بخصائص كالاختلاف في العرق أو الدين أو اللغة.

وينص إعلان الأمم المتحدة للأقليات لعام 1992 في مادته الأولى: "على الدول أن تقوم كلٌّ في إقليمها، بحماية وجود الأقليات وهويتها القومية أو الإثنية وهويتها الثقافية والدينية واللغوية وبتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية".

ووفق إعلان فيينا لحماية الأقليات القومية في الدول الأوروبية والصادر عن مجلس أوروبا في عام 1993 تُعرَّف الأقليات القومية بأنها: "المجموعات التي صارت أقلياتٍ داخل حدود الدولة نتيجة أحداث تاريخية وقعت ضد إرادتها، وإن العلاقة بين مثل هذه الأقلية والدولة علاقةٌ مستديمة وأفرادها من مواطني هذه الدولة".

 وُجدت حقوق الإنسان بشكل عام لحماية الضعيف المعرض للانتهاك وبخس الحقوق، والذي يعيش في حالة تجعله عاجزاً عن التعبير عن الوضع المفروض عليه، أما القوي فحاجته لحقوق الإنسان قد تكون شبه معدومة.

 الأقلية المحظوظة!

مأساة أقباط مصر ليست في كونهم أقليةً عددية منقوصة الحقوق ومضطهدة، بل في أنهم يعيشون في وسط أغلبية مسلمة تراهم "أقلية محظوظة". فشرائح عديدة من المسلمين المصريين ترى أنَّ الدولة تدلِّل الأقباط وتعطيهم أكثر من حقوقهم، وقبل أن تفغر فمك مندهشاً وتتساءل كيف، تجد الإجابة فوراً: "أنظر إلى ثروات الأقباط، إنهم يسيطرون على 40% من الاقتصاد المصري".

 والحكومات المصرية المتعاقبة لا تختلف كثيراً عن عوام الشعب، فهي تستخدم أدواتها الدبلوماسية وأذرعها الإعلامية لرفض مصطلح الأقلية، لكي تتنصل من التزاماتها الدولية بل والدستورية تجاه حقوق 20 مليون مواطن مسيحي مصري حقوقهم مهدورة.

 مصطلح الأقلية بين الرفض والقبول

وقد نجحَ الخطاب الإعلامي المشحون ضد مصطلح الأقلية والمدعوم من الدولة في التأثير حتى على بعض الأقباط أنفسهم. فهم يعتقدون أنَّ مصطلحَ الأقلية تعني أنْ يُنتقَص من حقوقهم كمواطنين مصريين، كما أنَّهم يعتقدون أنهم بهذا التوجه يبدون وطنيين يدافعون عن وطنهم. ومن تعبيرات هذا الرأي تصريحات رؤساء الكنائس المصرية برفضهم تعبير "أقلية قبطية"، وحديثهم الدائم فى المنابر الإعلامية عن أن الأقباط مواطنون كاملو المواطنة.

 وقد كان قداسة البابا شنودة الثالث يتحاشى في أحاديثه أن يذكر كلمة أقلية. وربما نلتمس العذر للبابا الراحل الذي عاش حقبة تاريخية عصيبة تعرض فيها الأقباط للإرهاب والترهيب.

لكن هذا لا يمنع من وجود بعض أصوات تصرخ في البرية وتشهد للحق. فها هو الأنبا أنجيلوس الأسقف العام للكنيسة القبطية الارثوذكسية بإنكلترا، لا يجد حرجاً في تسمية الأشياء بأسماءها وتوصيف الأقباط بأنهم "أقلية عددية"، في كثير من الندوات واللقاءات المَعنيّة بحقوق الأقليات.

 الأقباط وسماحة الإسلام؟

بين الفينة والآخرى نسمع عن "بعثات أزهرية" تذهب إلى بعض الدول الأوروبية لتصحيح صورة الإسلام والمسلمين، وينظمون ندوات ومؤتمرات تتحدث عن سماحة الإسلام.

إنها السماحة نفسها التي يتكلم بها بعض شيوخه ونحن في القرن العشرين وهم يتحدثون عن الأقباط باعتبارهم أقلية يجب أن تخضع لتوجهات الأغلبية. فهم في نظرهم ليسوا مواطنين بل ذميين، عليهم أن يرضخوا لقيم الأغلبية السائدة صاغرين، ومرجعيتهم في ذلك ليس الدساتير العصرية أو المواثيق الدولية ولكن "العهدة العمرية".

 القس البياضي: الحقوق هي الأساس

الدكتور القس صفوت البياضي الرئيس الفخري للطائفة الإنجيلية، يقول إن مصطلح الأقلية هو واقع عددي وإن كان التغيير والتأثير لا يتوقف على العدد. فالأطباء مثلا أقليه وكذلك المحامون والمهندسون والمعلمون، والمواطنة لا تعرف الأرقام إذا استقامت الأمم وفُعلت القوانين وسادت القيم على الرقم.

ويرى أن مفهوم الأقلية مرتبط بالحقوق. فعادة لا تتمتع الأقليات بحقوق كاملة، ويمكن أن يسند هذا إلى الغرباء عن الوطن، حيث لا مجال لمساواتهم بالحقوق التي يكفلها الوطن. فالمواطنون متساوون في الحقوق وفي الواجبات، كما أنه وللأسف تعبير الأقلية مؤشر للتهميش فالفكر عادة مرتبط بالأغلبيات فنقول نجحت الغالبيه في هذا الامتحان والذين رسبوا أقلية. والدول التي تقدمت لا يوجد في أوراقها الرسمية خانة للدين أو المعتقد بل يمنع السؤال بأسلوب مباشر أو غير مباشر.

 وعما إذا كان الإعلام مقصرًا فى التوعية بحقوق الأقليات أجاب أننا حالياً ليس لدينا اعلام بالمصطلح العلمي، فأغلب المنابر الإعلامية برأيه خاضعة للرقابة والمراجعة والإضافة والحذف.

 الإعلام و"الأقلية"

الصحفي جرجس فكري أوضح أن تعامل الإعلام مع مصطلح "أقلية" وإطلاقه على الأقباط لا يمكن اختزاله في اتجاه واحد. يتوقف ذلك على الوسيلة الإعلامية واتجاهها سواء محافظة أو مؤيدة للدولة أو إن كان لديها خط معارض، فالصحف المحافظة والمؤيدة للدولة ترفض هذا المصطلح لسببين:

الأول هو أن تحافظ على علاقات جيدة مع الدولة والتي ترفض مصطلح "الأقلية" على الأقباط، والسبب الثاني أن لفظ الأقلية من وجهة نظر هذه الصحف أنه ضد الوحدة الوطنية، أما الصحف المعارِضة فتستخدم هذا المصطلح كثيراً.

وعن رأيه في استخدام الكنيسة لهذا المصطلح قال إنها تتعامل معه بحساسية. فمن الصعب أن يصرح مصدر رسمي كنسي بهذا المصطلح حفاظاً على العلاقة مع الدولة، لكن على العكس المصادر غير الرسمية والحقوقية تستخدم هذا المصطلح، لكن في الكواليس كثير من المصادر الرسمية تستخدم هذا المصطلح وهو أمر منطقي. إذ يجب أن تتعامل المؤسسات الرسمية بشكل لا يضعها في صدام مباشر مع الدولة، والصحفي يستخدم هذا المصطلح وفقا للجريدة التي يعمل فيها وقد يستخدمه في مقال رأي باعتبار أنه يعبر عن رأيه فقط.

 الأقباط "أقلية"!

أما الباحث إسحاق إبراهيم، المسؤول عن ملف حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فقال  بالتأكيد ينطبق لفظ الأقلية على الأقباط، فهم مجموعة سكانية مشتركة في الدين ومهمشة سياسياً واجتماعياً نتيجة لذلك وتعاني من التمييز الديني في مجالات شتى.

وبرى ابراهيم أن هناك أخطاء شائعة حول استخدام مصطلح الأقليات نتيجة سوء فهم له أو نتيجة هروب من الاستحقاقات المرتبطة به. ومن هذه المفاهيم أن الأقليات لها جذور خارجية وبالتالي ليست من الشعوب الأصلية، وهذا خطأ لأن هناك مجموعات ينطبق عليها أنها من الأقليات وفي نفس الوقت شعوب أصلية.

ومن الأخطاء أيضاً ما يشاع أن الأقليات لها ميول انفصالية أو ولاءها للوطن منقوص. وهو خطأ تستخدمه الأنظمة الحاكمة للهروب من الالتزام بسياسات تحافظ على الاندماج الوطني، وفي نفس الوقت تحفظ للأقليات خصوصية الثقافية والدينية.

 التعريف بين الدولة والكنيسة

وقال ابراهيم إن الكنيسة لا تفضّل وصف الأقباط كأقلية لما يُشاع خطأ بأن الأقليات هم مجموعات وافدة حقوقها منقوصة. أما الدولة فترفض الوصف لكي تتنصل من تطبيق الالتزامات الدولية والوطنية الخاصة بتحقيق المساواة والعدالة والمشاركة في التنمية مع الحفاظ على الخصوصية.

ويرى إسحق أن حدة نقد المصطلح في الوقت الحالي أقل من القرن الماضي. وقال لدينا مثال عندما وجهت الصحف وقتها سهام النقد بل والاتهام بالعمالة للدكتور سعد الدين إبراهيم عندما نظم مركز ابن خلدون الذي كان يرأسه مؤتمراً عن الأقليات في الوطن العربي. وبرأيه الإعلام والمجتمع المدني يعكسان حال الدولة ومؤسساتها وبالتالي لا يوجد اهتمام بالتوعية بهذا المفهوم، بل على العكس ينقل الإعلام وجه النظر الرسمية فقط.

 الدكتور عاطف بطرس العطار، أستاذ الأدب المقارن يصف الأقباط بأنَّهم أقلية عددية من الناحية الإحصائية البحتة، وبالمفهوم السياسي أيضاً أقلية بمعني علاقات القُوى، ويضيف من هذا المنطلق يمكن أن نقول إن النساء سياسياً أقلية، لأنهم أقل قوة في المجتمع وهناك صراع على الحقوق ومطالب مشروعة. أما الكلام الخطابي الإنشائي بأننا لسنا أقلية لأننا أصحاب البلد الأصليين أو عبارة كلنا نسيج واحد أو غيرها من العبارات، فهي كلها للاستهلاك المحلي للتغطية على الحقوق المسلوبة، بحسب العطار.

وعن تخوف البعض من فكرة أن اعتبار الأقباط أقلية قد يفقدهم حقوقهم، قال العطار إن هذا لا يحدث إلا في الدول الهمجية، أما في دولة القانون الحديثة فكل المواطنين لهم كل الحقوق من دون تمييز بسبب العقيدة أو العرق أو النوع الإجتماعي أو التوجّه السياسي.

 وعن رأي البعض عن الأقباط بأنهم "أقلية سعيدة"، قال لعلهم يقصدون إنهم أقلية سعيدة لأن بيوتهم تُحرق وكنائسهم تُهدم وعائلاتهم تُهجر في سيناء!

 "الأقليات السعيدة" في الغرب

المهندسة غادة ملك، مسؤولة مجلس المرأة في حزب المحافظين التقدمي بمقاطعة أونتاريو – كندا تؤكد أنَّ المسلمين في كندا والأقليات في الغرب عموماً ينالون حقوقًا أكثر من المواطن العادي، وذلك في البرامج و الخدمات والقوانين التي تحمي حرياتهم وثقافتهم، وترى أنهم "أقليات سعيدة" بالفعل بسبب المعاملة المتميزة التي يحصلون عليها هنا فى كندا.

 كمال سدره الناشط الحقوقي قال للأسف يخضع موضوع اعتبار الأقباط أقلية من عدمه لضغوط ومشاعر بعيدة كل البعد عن السياق العلمي للمصطلح، والذي تقوننه العهود والمواثيق الدولية وتتبعه حقوق والتزامات دولية. ويعتبر سدره أنه لذلك سعى النظام الحاكم في مصر على مدار عصور لعدم استخدام مصطلح أقلية للتنصل من هذه الالتزامات. وأضاف أنَّه يستخدم في ذلك طرق عدة منها الإعلام والقيادات الدينية الموالية للسلطة دائمًا والتي تحمل تصريحاتها أصداء دولية ومحلية مساندة لادعاءات السلطة، وللأسف لا يوجد توعية أو تعليم حقوقي في مصر يصنع وعياً مجتمعياً لفهم مثل هذه الأمور.

 ويتفق في حديثه مع "ملك"، ويقول عن الأقلية المسلمة المتواجدة فى أميركا إنها طبعاً "أقلية سعيدة". فالدولة ترعى حقوق المسلمين وتنظر إليهم بعين المساواة كمواطنين. وبسؤاله عن دور المجلس القومي لحقوق الإنسان في رفع الوعي بحقوق الأقليات، قال إن المجلس يتبع الدولة، فهي التي تقوم بتعيين أعضائه وهي مَن تموله، ولذلك فمن المنطقي والطبيعي ألا تجد توعية حقوقية أو إعلامية بقضايا الأقليات، لما يمكن أن يشكله ذلك من خطورة على الدولة.